درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۲۸: تعارض الدلیلین ۲۸

 

والظاهر لزوم طرحها ؛ لمعارضتها بالمقبولة الراجحة عليها ، فيبقى إطلاقات الترجيح سليمة.

الموضع الثالث

الثالث : أنّ مقتضى القاعدة تقييد إطلاق ما اقتصر فيها على بعض المرجّحات بالمقبولة ، إلاّ أنّه قد يستبعد ذلك ؛ لورود تلك المطلقات في مقام الحاجة ، فلا بدّ من جعل المقبولة كاشفة عن قرينة متّصلة فهم منها الإمام عليه‌السلام أنّ مراد الراوي تساوي الروايتين من سائر الجهات ، كما يحمل إطلاق أخبار التخيير على ذلك.

الموضع الرابع

الرابع : أنّ الحديث الثاني عشر الدالّ على نسخ الحديث بالحديث ، على تقدير شموله للروايات الإماميّة ـ بناء على القول بكشفهم عليهم‌السلام عن الناسخ الذي أودعه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندهم ـ هل هو مقدّم على باقي الترجيحات أو مؤخّر؟ وجهان :

من أنّ النسخ من جهات التصرّف في الظاهر (١) ؛ لأنّه من تخصيص الأزمان ؛ ولذا ذكروه في تعارض الأحوال ، وقد مرّ وسيجيء (٢) تقديم الجمع بهذا النحو على الترجيحات الأخر.

ومن أنّ النسخ على فرض ثبوته في غاية القلّة ، فلا يعتنى به في مقام الجمع ، ولا يحكم به العرف ، فلا بدّ من الرجوع إلى المرجّحات الأخر ، كما إذا امتنع الجمع. وسيجيء بعض الكلام في ذلك (٣).

__________________

(١) لم ترد «في الظاهر» في (ت).

(٢) انظر الصفحة ١٩ و ٨١.

(٣) انظر الصفحة ٩٤ ـ ٩٥.

الموضع الخامس

الخامس : أنّ الروايتين الأخيرتين ظاهرتان في وجوب الجمع بين الأقوال الصادرة عن الأئمّة صلوات الله عليهم ، بردّ المتشابه إلى المحكم. والمراد بالمتشابه ـ بقرينة قوله : «ولا تتّبعوا متشابهها فتضلّوا» ـ هو الظاهر الذي اريد منه خلافه ؛ إذ المتشابه إمّا المجمل وإمّا المؤوّل ، ولا معنى للنهي عن اتّباع المجمل ، فالمراد إرجاع الظاهر إلى النصّ أو إلى الأظهر.

وهذا المعنى لمّا كان مركوزا في أذهان أهل اللسان ، ولم يحتج إلى البيان في الكلام المعلوم الصدور عنهم ، فلا يبعد إرادة ما يقع من ذلك في الكلمات المحكيّة عنهم بإسناد الثقات ، التي تنزّل منزلة المعلوم الصدور.

فالمراد أنّه لا يجوز المبادرة إلى طرح الخبر المنافي لخبر آخر ولو كان الآخر أرجح منه ، إذا أمكن ردّ المتشابه منهما إلى المحكم (١) ، وأنّ الفقيه من تأمّل في أطراف الكلمات المحكيّة عنهم ، ولم يبادر إلى طرحها لمعارضتها بما هو أرجح منها.

والغرض من الروايتين الحثّ على الاجتهاد واستفراغ الوسع في معاني الروايات ، وعدم المبادرة إلى طرح الخبر بمجرّد مرجّح لغيره عليه.

__________________

(١) في (ر) ، (ص) و (ظ) بدل «المحكم» : «محكم الآخر».

المقام الثالث

في عدم جواز الاقتصار على المرجّحات المنصوصة.

حاصل ما يستفاد من أخبار الترجيح

التعدّي عن المرجّحات المنصوصة

فنقول : اعلم أنّ حاصل ما يستفاد من مجموع الأخبار ـ بعد الفراغ عن تقديم الجمع المقبول على الطرح ، وبعد ما ذكرنا من أنّ الترجيح بالأعدليّة وأخواتها إنّما هو بين الحكمين مع قطع النظر عن ملاحظة مستندهما ـ : هو أنّ الترجيح أوّلا بالشهرة والشذوذ ، ثمّ بالأعدليّة والأوثقيّة ، ثمّ بمخالفة العامّة ، ثمّ بمخالفة ميل الحكّام.

وأمّا الترجيح بموافقة الكتاب والسنّة فهو من باب اعتضاد أحد الخبرين بدليل قطعيّ الصدور ، ولا إشكال في وجوب الأخذ به ، وكذا الترجيح بموافقة الأصل.

ولأجل ما ذكر لم يذكر ثقة الإسلام ، رضوان الله عليه ، في مقام الترجيح ـ في ديباجة الكافي ـ سوى ما ذكر ، فقال :

كلام الشيخ الكليني في ديباجة الكافي

اعلم يا أخي ـ أرشدك الله ـ أنّه لا يسع أحدا تمييز شيء ممّا اختلف الرواية فيه من العلماء عليهم‌السلام برأيه ، إلاّ على ما أطلقه العالم عليه‌السلام بقوله : «اعرضوهما (١) على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله عزّ وجلّ فخذوه ، وما خالف كتاب الله عزّ وجلّ فردّوه» ، وقوله عليه‌السلام : «دعوا ما وافق القوم ، فإنّ الرشد في خلافهم» ، وقوله عليه‌السلام : «خذوا بالمجمع عليه ، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه». ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلاّ أقلّه ، ولا نجد شيئا أحوط ولا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى

__________________

(١) في المصدر : «اعرضوها».

العالم عليه‌السلام ، وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله : «بأيّهما أخذتم من باب التسليم وسعكم» (١) ، انتهى.

توضيح كلام الشيخ الكليني

ولعلّه ترك الترجيح بالأعدليّة والأوثقيّة ؛ لأنّ الترجيح بذلك مركوز في أذهان الناس ، غير محتاج إلى التوقيف.

وحكي عن بعض الأخباريّين (٢) : أنّ وجه إهمال هذا المرجّح كون أخبار كتابه كلّها صحيحة.

وقوله : «ولا نعلم من ذلك إلاّ أقلّه» ، إشارة إلى أنّ العلم بمخالفة الرواية للعامّة في زمن صدورها أو كونها مجمعا عليها قليل ، والتعويل على الظنّ بذلك عار عن الدليل.

وقوله : «لا نجد شيئا أحوط ولا أوسع ... الخ» ، أمّا أوسعيّة التخيير فواضح ، وأمّا وجه كونه أحوط ، مع أنّ الأحوط التوقّف والاحتياط في العمل ، فلا يبعد أن يكون من جهة أنّ في ذلك ترك العمل بالظنون التي لم يثبت الترجيح بها ، والإفتاء بكون مضمونها هو حكم الله لا غير ، وتقييد إطلاقات التخيير والتوسعة من دون نصّ مقيّد. ولذا طعن غير واحد من الأخباريّين على رؤساء المذهب ـ مثل المحقّق والعلاّمة ـ بأنّهم يعتمدون في الترجيحات على امور اعتمدها العامّة في كتبهم ، ممّا ليس في النصوص منه عين ولا أثر.

كلام المحدّث البحراني

قال المحدّث البحراني قدس‌سره في هذا المقام من مقدّمات الحدائق :

إنّه قد ذكر علماء الاصول من الترجيحات في هذا المقام ما لا يرجع أكثرها إلى محصول ، والمعتمد عندنا ما ورد من أهل بيت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،

__________________

(١) الكافي ١ : ٨.

(٢) حكاه المحدّث البحراني عن بعض مشايخه في الحدائق ١ : ٩٧.