درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۲۹: تعارض الدلیلین ۲۹

 

العالم عليه‌السلام ، وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله : «بأيّهما أخذتم من باب التسليم وسعكم» (١) ، انتهى.

توضيح كلام الشيخ الكليني

ولعلّه ترك الترجيح بالأعدليّة والأوثقيّة ؛ لأنّ الترجيح بذلك مركوز في أذهان الناس ، غير محتاج إلى التوقيف.

وحكي عن بعض الأخباريّين (٢) : أنّ وجه إهمال هذا المرجّح كون أخبار كتابه كلّها صحيحة.

وقوله : «ولا نعلم من ذلك إلاّ أقلّه» ، إشارة إلى أنّ العلم بمخالفة الرواية للعامّة في زمن صدورها أو كونها مجمعا عليها قليل ، والتعويل على الظنّ بذلك عار عن الدليل.

وقوله : «لا نجد شيئا أحوط ولا أوسع ... الخ» ، أمّا أوسعيّة التخيير فواضح ، وأمّا وجه كونه أحوط ، مع أنّ الأحوط التوقّف والاحتياط في العمل ، فلا يبعد أن يكون من جهة أنّ في ذلك ترك العمل بالظنون التي لم يثبت الترجيح بها ، والإفتاء بكون مضمونها هو حكم الله لا غير ، وتقييد إطلاقات التخيير والتوسعة من دون نصّ مقيّد. ولذا طعن غير واحد من الأخباريّين على رؤساء المذهب ـ مثل المحقّق والعلاّمة ـ بأنّهم يعتمدون في الترجيحات على امور اعتمدها العامّة في كتبهم ، ممّا ليس في النصوص منه عين ولا أثر.

كلام المحدّث البحراني

قال المحدّث البحراني قدس‌سره في هذا المقام من مقدّمات الحدائق :

إنّه قد ذكر علماء الاصول من الترجيحات في هذا المقام ما لا يرجع أكثرها إلى محصول ، والمعتمد عندنا ما ورد من أهل بيت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،

__________________

(١) الكافي ١ : ٨.

(٢) حكاه المحدّث البحراني عن بعض مشايخه في الحدائق ١ : ٩٧.

من الأخبار المشتملة على وجوه الترجيحات (١) ، انتهى.

المناقشة فيها أفاده المحدّث البحراني

أقول : قد عرفت (٢) أنّ الأصل ـ بعد ورود التكليف الشرعيّ بالعمل بأحد المتعارضين ـ هو العمل بما يحتمل أن يكون مرجّحا في نظر الشارع ؛ لأنّ جواز العمل بالمرجوح مشكوك حينئذ.

نعم ، لو كان المرجع بعد التكافؤ هو التوقّف والاحتياط ، كان الأصل عدم الترجيح إلاّ بما علم كونه مرجّحا. لكن عرفت أنّ المختار مع التكافؤ هو التخيير (٣) ، فالأصل هو العمل بالراجح.

إلاّ أن يقال : إنّ إطلاقات التخيير حاكمة على هذا الأصل ، فلا بدّ للمتعدّي من المرجّحات الخاصّة المنصوصة من أحد أمرين : إمّا أن يستنبط من النصوص ـ ولو بمعونة الفتاوى ـ وجوب العمل بكلّ مزيّة توجب أقربيّة ذيها إلى الواقع ، وإمّا أن يستظهر من إطلاقات التخيير الاختصاص بصورة التكافؤ من جميع الوجوه.

عدم الاقتصار على المرجّحات الخاصّة

والحقّ : أنّ تدقيق النظر في أخبار الترجيح يقتضي التزام الأوّل ، كما أنّ التأمّل الصادق في أخبار التخيير يقتضي التزام الثاني ؛ ولذا ذهب جمهور المجتهدين إلى عدم الاقتصار على المرجّحات الخاصّة (٤) ، بل

__________________

(١) الحدائق ١ : ٩٠.

(٢) راجع الصفحة ٥٣.

(٣) راجع الصفحة ٣٩.

(٤) انظر المعارج : ١٥٤ ـ ١٥٥ ، ونهاية الوصول (مخطوط) : ٤٢١ ، والفوائد الحائريّة : ٢٠٧ ـ ٢١٤ و ٢٢١ ، والفصول : ٤٤٢ ، والقوانين ٢ : ٢٩٣ ، ومفاتيح الاصول : ٦٨٨.

ادّعى بعضهم (١) ظهور الإجماع وعدم ظهور الخلاف على وجوب العمل بالراجح من الدليلين ، بعد أن حكى الإجماع عليه عن جماعة.

ما يمكن أن يستفاد منه هذا المطلب

وكيف كان ، فما يمكن استفادة هذا المطلب منه فقرات من الروايات :

منها : الترجيح بالأصدقيّة في المقبولة وبالأوثقيّة في المرفوعة ؛ فإنّ اعتبار هاتين الصفتين ليس إلاّ لترجيح الأقرب إلى مطابقة الواقع ـ في نظر الناظر في المتعارضين ـ من حيث إنّه أقرب ، من غير مدخليّة خصوصيّة سبب ، وليستا كالأعدليّة والأفقهيّة تحتملان اعتبار الأقربيّة الحاصلة من السبب الخاصّ.

وحينئذ ، فنقول : إذا كان أحد الراويين أضبط من الآخر أو أعرف بنقل الحديث بالمعنى أو شبه ذلك ، فيكون أصدق وأوثق من الراوي الآخر ، ونتعدّى من صفات الراوي المرجّحة (٢) إلى صفات الرواية الموجبة لأقربيّة صدورها ؛ لأنّ أصدقيّة الراوي وأوثقيّته لم تعتبر في الراوي إلاّ من حيث حصول صفة الصدق والوثاقة في الرواية ، فإذا كان أحد الخبرين منقولا باللفظ والآخر منقولا بالمعنى كان الأوّل أقرب إلى الصدق وأولى بالوثوق.

ويؤيّد ما ذكرنا : أنّ الراوي بعد سماع الترجيح بمجموع الصفات لم يسأل عن صورة وجود بعضها وتخالفها في الراويين (٣) ، وإنّما سأل عن

__________________

(١) هو السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٦٨٦ و ٦٨٨.

(٢) لم ترد «المرجّحة» في (ظ).

(٣) في (ص) ، (ظ) و (ر) : «الروايتين».