درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۳۰: تعارض الدلیلین ۳۰

 

ادّعى بعضهم (١) ظهور الإجماع وعدم ظهور الخلاف على وجوب العمل بالراجح من الدليلين ، بعد أن حكى الإجماع عليه عن جماعة.

ما يمكن أن يستفاد منه هذا المطلب

وكيف كان ، فما يمكن استفادة هذا المطلب منه فقرات من الروايات :

منها : الترجيح بالأصدقيّة في المقبولة وبالأوثقيّة في المرفوعة ؛ فإنّ اعتبار هاتين الصفتين ليس إلاّ لترجيح الأقرب إلى مطابقة الواقع ـ في نظر الناظر في المتعارضين ـ من حيث إنّه أقرب ، من غير مدخليّة خصوصيّة سبب ، وليستا كالأعدليّة والأفقهيّة تحتملان اعتبار الأقربيّة الحاصلة من السبب الخاصّ.

وحينئذ ، فنقول : إذا كان أحد الراويين أضبط من الآخر أو أعرف بنقل الحديث بالمعنى أو شبه ذلك ، فيكون أصدق وأوثق من الراوي الآخر ، ونتعدّى من صفات الراوي المرجّحة (٢) إلى صفات الرواية الموجبة لأقربيّة صدورها ؛ لأنّ أصدقيّة الراوي وأوثقيّته لم تعتبر في الراوي إلاّ من حيث حصول صفة الصدق والوثاقة في الرواية ، فإذا كان أحد الخبرين منقولا باللفظ والآخر منقولا بالمعنى كان الأوّل أقرب إلى الصدق وأولى بالوثوق.

ويؤيّد ما ذكرنا : أنّ الراوي بعد سماع الترجيح بمجموع الصفات لم يسأل عن صورة وجود بعضها وتخالفها في الراويين (٣) ، وإنّما سأل عن

__________________

(١) هو السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٦٨٦ و ٦٨٨.

(٢) لم ترد «المرجّحة» في (ظ).

(٣) في (ص) ، (ظ) و (ر) : «الروايتين».

حكم صورة تساوي الراويين في الصفات المذكورة وغيرها ، حتّى قال : «لا يفضل أحدهما على صاحبه» ، يعني : بمزيّة من المزايا أصلا ، فلو لا فهمه أنّ كلّ واحد من هذه الصفات وما يشبهها مزيّة مستقلّة ، لم يكن وقع للسؤال عن صورة عدم المزيّة فيهما رأسا ، بل ناسبه السؤال عن حكم عدم اجتماع الصفات ، فافهم.

ومنها : تعليله عليه‌السلام الأخذ بالمشهور بقوله : «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه». توضيح ذلك :

أنّ معنى كون الرواية مشهورة كونها معروفة عند الكلّ ، كما يدلّ عليه فرض السائل كليهما مشهورين ، والمراد بالشاذّ ما لا يعرفه إلاّ القليل ، ولا ريب أنّ المشهور بهذا المعنى ليس قطعيّا من جميع الجهات (١) ـ قطعيّ المتن والدلالة ـ حتّى يصير ممّا لا ريب فيه ، وإلاّ لم يمكن فرضهما مشهورين ، ولا الرجوع إلى صفات الراوي قبل ملاحظة الشهرة ، ولا الحكم بالرجوع مع شهرتهما إلى المرجّحات الأخر ، فالمراد بنفي الريب نفيه بالإضافة إلى الشاذّ ، ومعناه : أنّ الريب المحتمل في الشاذّ غير محتمل فيه ، فيصير حاصل التعليل ترجيح المشهور على الشاذّ بأنّ في الشاذّ احتمالا لا يوجد في المشهور ، ومقتضى التعدّي عن مورد النصّ في العلّة وجوب الترجيح بكلّ ما يوجب كون أحد الخبرين أقلّ احتمالا لمخالفة الواقع.

ومنها : تعليلهم عليهم‌السلام لتقديم الخبر المخالف للعامّة ب : «أنّ الحقّ والرشد في خلافهم» ، و «أنّ ما وافقهم فيه التقيّة» ؛ فإنّ هذه كلّها

__________________

(١) لم ترد «قطعيّا من جميع الجهات» في (ظ) ، وشطب عليها في (ت).

قضايا غالبيّة لا دائميّة ، فيدلّ ـ بحكم التعليل ـ على وجوب ترجيح كلّ ما كان معه أمارة الحقّ والرشد ، وترك ما فيه مظنّة خلاف الحقّ والصواب.

بل الإنصاف : أنّ مقتضى هذا التعليل كسابقه وجوب الترجيح بما هو أبعد عن الباطل من الآخر ، وإن لم يكن عليه أمارة المطابقة ، كما يدلّ عليه قوله عليه‌السلام : «ما جاءكم عنّا من حديثين مختلفين (١) ، فقسهما على كتاب الله وأحاديثنا ، فإن أشبهها فهو حقّ ، وإن لم يشبهها فهو باطل» (٢) ؛ فإنّه لا توجيه لهاتين القضيّتين إلاّ ما ذكرنا : من إرادة الأبعديّة عن الباطل والأقربيّة إليه.

ومنها : قوله عليه‌السلام : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٣) ، دلّ على أنّه إذا دار الأمر بين أمرين في أحدهما ريب ليس في الآخر ذلك الريب يجب الأخذ به ، وليس المراد نفي مطلق الريب ، كما لا يخفى. وحينئذ فإذا فرض أحد المتعارضين منقولا باللفظ (٤) والآخر بالمعنى وجب الأخذ بالأوّل ؛ لأنّ احتمال الخطأ في النقل بالمعنى منفيّ فيه. وكذا إذا كان أحدهما أعلى سندا لقلّة الوسائط. إلى غير ذلك من المرجّحات النافية للاحتمال الغير المنفيّ في طرف المرجوح.

__________________

(١) في المصدر بدل «ما جاءكم عنّا من حديثين مختلفين» : «إذا جاءك الحديثان المختلفان».

(٢) الوسائل ١٨ : ٨٩ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٤٨.

(٣) الوسائل ١٨ : ١٢٢ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٣٨.

(٤) في غير (ص) : «بلفظه».