درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۳۲: تعارض الدلیلین ۳۲

 

الأظهر ، وهذا خارج عمّا نحن فيه.

وما ذكرناه كأنّه (١) ممّا لا خلاف فيه ـ كما استظهره بعض مشايخنا المعاصرين (٢) ـ ، ويشهد له ما يظهر من مذاهبهم في الاصول وطريقتهم في الفروع (٣).

ظاهر كلام الشيخ الطوسي خلاف ذلك

نعم قد يظهر من عبارة الشيخ قدس‌سره في الاستبصار خلاف ذلك ، بل يظهر منه أنّ الترجيح بالمرجّحات يلاحظ بين النصّ والظاهر ، فضلا عن الظاهر والأظهر ؛ فإنّه قدس‌سره بعد ما (٤) ذكر حكم الخبر الخالي عمّا يعارضه ، قال :

كلام الشيخ في الاستبصار

وإن كان هناك ما يعارضه فينبغي أن ينظر في المتعارضين ، فيعمل على أعدل الرواة في الطريقين.

وإن كانا سواء في العدالة عمل على أكثر الرواة عددا.

وإن كانا متساويين في العدالة والعدد وكانا عاريين عن جميع القرائن التي ذكرناها نظر :

فإن كان متى عمل بأحد الخبرين أمكن العمل بالآخر على بعض الوجوه وضرب من التأويل ، كان العمل به أولى من العمل بالآخر

__________________

(١) لم ترد «كأنّه» في (ر) و (ه).

(٢) هو السيد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٦٩٩ و ٧٠٤.

(٣) في (ظ) بدل «كما استظهر ـ إلى ـ في الفروع» : «كما يظهر من مذاهبهم في الاصول وطريقتهم في الفروع ، كما استظهر بعض مشايخنا المعاصرين» ، انظر الفصول : ٤٤٠ ـ ٤٤١ ، والقوانين ١ : ٣٠٤.

(٤) «ما» من (ص).

الذي يحتاج مع العمل به إلى طرح الخبر الآخر ؛ لأنّه يكون العامل به عاملا بالخبرين معا.

وإن كان الخبران يمكن العمل بكلّ منهما وحمل الآخر على بعض الوجوه من التأويل ، وكان لأحد التأويلين خبر يعضده أو يشهد به على بعض الوجوه ـ صريحا أو تلويحا ، لفظا أو دليلا ـ وكان الآخر عاريا عن ذلك ، كان العمل به أولى من العمل بما لا يشهد له شيء من الأخبار. وإذا لم يشهد لأحد التأويلين خبر آخر وكانا (١) متحاذيين (٢) ، كان العامل مخيّرا في العمل بأيّهما شاء (٣) ، انتهى موضع الحاجة.

وقال في العدّة :

كلام الشيخ في لبصدّة

وأمّا الأخبار إذا تعارضت وتقابلت ، فإنّه يحتاج في العمل ببعضها إلى ترجيح ، والترجيح يكون بأشياء ، منها : أن يكون أحد الخبرين موافقا للكتاب أو السنّة المقطوع بها والآخر مخالفا لهما ؛ فإنّه يجب العمل بما وافقهما وترك العمل بما خالفهما ، وكذلك إن وافق أحدهما إجماع الفرقة المحقّة والآخر يخالفه وجب العمل بما يوافقه وترك ما يخالفهم. فإن لم يكن مع أحد الخبرين شيء من ذلك وكانت فتيا الطائفة مختلفة نظر في حال رواتهما : فإن كان إحدى الروايتين راويها عدلا وجب العمل بها وترك العمل بما لم يروه العدل ، وسنبيّن القول في العدالة المرعيّة في هذا الباب. فإن كان رواتهما جميعا عدلين نظر في أكثرهما

__________________

(١) في (ت) و (ه) والمصدر : «وكان».

(٢) في المصدر : «متحاذيا».

(٣) الاستبصار ١ : ٤.

رواة وعمل به وترك العمل بقليل الرواة. فإن كان رواتهما متساويين في العدد والعدالة عمل بأبعدهما من قول العامّة وترك العمل بما يوافقهم. وإن كان الخبران موافقين للعامّة أو مخالفين لهم نظر في حالهما : فإن كان متى عمل بأحد الخبرين أمكن العمل بالآخر على وجه من الوجوه وضرب من التأويل وإذا عمل بالخبر الآخر لا يمكن العمل بهذا الخبر ، وجب العمل بالخبر الذي يمكن مع العمل به العمل بالخبر الآخر ؛ لأنّ الخبرين جميعا منقولان مجمع على نقلهما ، وليس هنا قرينة تدلّ على صحّة أحدهما ، ولا ما يرجّح أحدهما على الآخر ، فينبغي أن يعمل بهما إذا أمكن ، ولا يعمل بالخبر الذي إذا عمل به وجب اطّراح العمل بالآخر. وإن لم يمكن العمل بهما جميعا لتضادّهما وتنافيهما ، أو أمكن (١) حمل كلّ واحد منهما على ما يوافق الآخر على وجه ، كان الإنسان مخيّرا في العمل بأيّهما شاء (٢) ، انتهى.

وهذا كلّه كما ترى ، يشمل حتّى تعارض العامّ والخاصّ مع الاتّفاق فيه على الأخذ بالنصّ.

وقد صرّح في العدّة ـ في باب بناء العامّ على الخاصّ ـ : بأنّ الرجوع إلى الترجيح والتخيير إنّما هو في تعارض العامّين دون العامّ والخاصّ ، بل لم يجعلهما من المتعارضين أصلا. واستدلّ على العمل بالخاصّ بما حاصله : أنّ العمل بالخاصّ ليس طرحا للعامّ ، بل حمل له على ما يمكن أن يريده الحكيم ، وأنّ العمل بالترجيح والتخيير فرع

__________________

(١) في المصدر : «وأمكن».

(٢) العدّة ١ : ١٤٧ ـ ١٤٨.

التعارض الذي لا يجري فيه الجمع (١).

وهو مناقض صريح لما ذكره هنا : من أنّ الجمع من جهة عدم ما يرجّح أحدهما على الآخر (٢).

ظهور كلام المحدّث البحراني في ذلك أيضاً

وقد يظهر ما في العدّة من كلام بعض المحدّثين (٣) ، حيث أنكر حمل الخبر الظاهر في الوجوب أو التحريم على الاستحباب أو الكراهة لمعارضة خبر الرخصة (٤) ، زاعما أنّه طريق جمع لا إشارة إليه في أخبار الباب ، بل ظاهرها تعيّن الرجوع إلى المرجّحات المقرّرة.

يلوح ذلك من المحقّق القمّي أيضاً

وربما يلوح هذا أيضا من كلام المحقّق القمّي ، في باب بناء العامّ على الخاصّ ، فإنّه بعد ما حكم بوجوب البناء ، قال :

وقد يستشكل : بأنّ الأخبار قد وردت في تقديم ما هو مخالف للعامّة أو موافق للكتاب ونحو ذلك ، وهو يقتضي تقديم العامّ لو كان هو الموافق للكتاب أو المخالف للعامّة أو نحو ذلك.

وفيه : أنّ البحث منعقد لملاحظة العامّ والخاصّ من حيث العموم والخصوص ، لا بالنظر إلى المرجّحات الخارجيّة ، إذ قد يصير التجوّز في الخاصّ أولى من التخصيص في العامّ من جهة مرجّح خارجيّ ، وهو خارج عن المتنازع (٥) ، انتهى.

__________________

(١) انظر العدّة ١ : ٣٩٣ ـ ٣٩٥.

(٢) في (ظ) زيادة : «لكونهما سواء في صفات الراوي».

(٣) هو المحدّث البحراني في الحدائق ١ : ١٠٨ ـ ١٠٩.

(٤) في (ظ) زيادة : «الذي هو الأظهر».

(٥) القوانين ١ : ٣١٥ ـ ٣١٦.