درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۱۳: اشکالات وابسته به علم الاهی و پاسخ آن‌ها

 

الوجه الثالث : أنّ كل موجود سواه ممكن ، على ما يأتي في باب الوحدانية ، وكل ممكن فإنّه مستند إلى الواجب إما ابتداءً أو بوسائط على ما تقدم ، وقد سلف أنّ العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول والله تعالى عالم بذاته على ما تقدم فهو عالم بغيره.

قال : والأخيرُ عامٌّ.

أقول : الوجه الأخير من الأدلة الثلاثة الدالة على كونه تعالى عالماً يدل على عمومية علمه بكل معلوم ، وتقريره : أنّ كل موجود سواه ممكن وكل ممكن مستند إليه فيكون عالماً به ، سواء كان جزئياً أو كلياً ، وسواء كان موجوداً قائماً بذاته أو عرضاً قائماً بغيره ، وسواء كان موجوداً في الأعيان أو متعقلاً في الأذهان لأن وجود الصورة في الذهن من الممكنات أيضاً فيستند إليه ، وسواء

__________________

ـ مطلق اقترانهما ، لأنّ الاقتران في العقل نوع من المقارنة وليست المقارنة منحصرة فيه ، ولو توقف إمكان مقارنة المعقولين على مقارنتهما في العقل لزم توقف إمكان الشيء على وجوده وهو كما ترى.

فإذا ثبت أنّ مطلق المقارنة ممكن ، فلو تحقّقت تلك المقارنة وقارن مجرد مجرداً لكان عاقلاً له ، إذ المانع من التعقل هو المادية وهي في المقام منتفية ، كل ذلك بشرط تحقّق المقارنة.

يلاحظ عليه : أنّ البرهان على فرض تماميته يثبت علم المجرد بكل مجرد مقارن ، والمقارنة تحصل إمّا بالحلول أو بالصدور ، والأوّل كالصور المرتسمة في النفس ، والثاني هي نفسها أيضاً على القول بأنّ النفس خلّاق لها.

ولكنّه عقيم بالنسبة إلى علم البارئ للموجودات الإمكانية ، من المجرد إلى الهيولى ، لعدم تجرد الجميع ، والجسمانيات مغمورة في المادة والماديات ، والعلم بصورها غير علمه بذواتها والمقصود علمه بذواتها ولا بد من التماس دليل آخر.

كانت الصورة الذهنية صورة أمر وجودي أو عدمي ممكن أو ممتنع ، فلا يعزب عن علمه شيء من الممكنات ولا من الممتنعات ، وهذا برهان شريف قاطع.

قال : والتغايرُ اعتباريٌّ.

أقول : لما فرغ من الاستدلال على كونه تعالى عالماً بكل معلوم ، شرع في الجواب عن الاعتراضات الواردة عن المخالفين ، وابتدأ باعتراض من نفى علمه تعالى بذاته ، ولم يذكر الاعتراض صريحاً بل أجاب عنه وحذفه للعلم به.

وتقرير الاعتراض أن نقول : العلم إضافة (١) بين العالم والمعلوم أو مستلزم للإضافة ، وعلى كلا التقديرين فلا بد من المغايرة بين العالم والمعلوم ولا مغايرة في علمه بذاته.

والجواب : أن المغايرة قد تكون بالذات وقد تكون بنوع من الاعتبار وهاهنا ذاته تعالى من حيث إنّها عالمة مغايرة لها من حيث إنّها معلومة ، وذلك كاف في تعلق العلم.

__________________

(١) الأولى أن يقال : العلم وإن لم يكن من مقولة الإضافة ـ كما حقق في مبحث الوجود الذهني لكنّه حسب الوجود من الأُمور ذوات الإضافة ، وهي تطلب لنفسها طرفين وهما غير متحققين في علمه سبحانه بذاته.

والجواب أنّا نمنع أنّه من ذوات الإضافة الحقيقية في جميع المراحل حتى في علم النفس بذاته فضلاً عن علمه سبحانه بذاته ، وإن أبيت نقول : إنّ التعدد ـ حفظاً للإضافة ـ في المقام اعتباري فمن حيث إنّه مجرد ، عالم ، ومن حيث حضور ذاته لدى ذاته ، معلوم.

قال : ولا يستدعي العلمُ صوراً مغايرة للمعلومات عنده (١) لأنّ نسبة الحصول إليه أشدُّ من نسبة الصور المعقولة لنا.

أقول : هذا جواب عن اعتراض آخر أورده من نفى علم الله تعالى بالماهيات المغايرة له.

وتقرير الاعتراض : أنّ العلم صورة مساوية للمعلوم في العالم ، فلو كان

__________________

(١) الإشكال في علمه سبحانه بالماهيات المغايرة له ـ على حد تعبير الشارح ـ أو الوجودات المغايرة له ـ حسب تعبيرنا ـ مبني على حصر العلم بالقسم الحصولي أي الصور المرتسمة الحالّة في العالم وعندئذ يتوقف علمه سبحانه بها على توسط صورة بينه وبين الموجودات فيتسرَّب ما ذكر من الإشكالات ، وأمّا إذا كسرنا إطار الحصر وقلنا : إنّه ينقسم إلى حضوري وحصولي ولا يتوقف القسم الأوّل ، على انتزاع صورة من المعلوم بل هو بنفسه وواقعه يكون حاضراً لدى العالم بلا توسط صورة ، فيرتفع الإشكال.

ويعلم حال علمه سبحانه بذاته من مقايسة علم النفس بالصورة المرتسمة الحاكية عن الخارج فإنّها عالمة بالخارج بتوسط الصور وأمّا علمها بها ، فلا يتوقف على توسط صورة أُخرى وإلّا لزم التسلسل.

والله سبحانه عالم بالوجودات الإمكانية بنفسها لأنّها فعله القائم به قيام المعنى الحرفي ، بالاسمي ، ولا يتوقف علمه بها على توسيط صور بينه وبينها. فمَثل الوجودات الإمكانية بالنسبة إليه تعالى ، كمثل الصور المرتسمة لدى النفس ولكن حضورها عنده تعالى أشدّ من حضورها لديها. لأنّ نسبته إليه ، نسبة المؤثر إلى الأثر والموجد إلى موجَده ، بخلاف نسبتها إليها ، إذ هو من قبيل نسبة القابل إلى المقبول.

نعم بناءً على أنّ النفس خلّاق للصور ، وموجدة لها بعد تحقق مقدمات ومعدات من الحواس ، يكون التشبيه أوضح إذ النفس تكون خلّاقة للصور في ظلّ خلاقيته سبحانه لما سواه فيكون مثَلاً له في عالم الشهادة ، وإن كان سبحانه نزيهاً عن المثْل.

الله تعالى عالماً بغيره من الماهيات لزم حصول صور تلك المعلومات في ذاته تعالى وذلك يستلزم تكثره تعالى ، وكونه قابلاً وفاعلاً ومحلًّا لآثاره ، وأنّه تعالى لا يوجد شيئاً مما يباين ذاته بل بتوسط الأُمور الحالّة فيه ، وكلّ ذلك باطل.

وتقرير الجواب : أن العلم لا يستدعي صوراً مغايرة للمعلومات عنده تعالى ، لأنّ العلم هو الحصول عند المجرد على ما تقدم ، ولا ريب في أنّ الأشياء كلها حاصلة له لأنّه مؤثرها وموجدها ، وحصول الأثر للمؤثر أشد من حصول المقبول لقابله مع أنّ الثاني لا يستدعي حصول صورة مغايرة لذات الحاصل ، فإنا إذا عقلنا ذواتنا لم نفتقر إلى صورة مغايرة لذواتنا ثمّ إذا أدركنا شيئاً ما بصورة تحصل في أذهاننا فإنا ندرك تلك الصورة الحاصلة في الذهن بذاتها لا باعتبار صورة أُخرى وإلّا لزم تضاعف الصور مع أن تلك الصورة حاصلة لذاتنا لا بانفرادها بل بمشاركة من المعقولات ، فحصول العلم بالموجودات لواجب الوجود الذي تحصل له الأشياء من ذاته بانفراده من غير افتقار إلى صور لها أولى ؛ ولما كانت ذاته سبباً لكل موجود وعلمه بذاته علة لعلمه بآثاره وكانت ذاته وعلمه بذاته العلتان ، متغايرتين بالاعتبار متحدتين بالذات ، فكذا معلوله والعلم به متحدان بالذات متغايران بنوع من الاعتبار.

وهذا بحث شريف أشار إليه صاحب التحصيل وبسطه المصنف رحمه‌الله في شرح الاشارات ، وبهذا التحقيق يندفع جميع المحالات لأنها لزمت باعتبار حصول صور في ذاته تعالى عن ذلك.

قال : وتغيُّرُ الإضافات ممكنٌ.

أقول : هذا جواب عن اعتراض الحكماء القائلين بنفي علمه تعالى