درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۱۴: ادامه بررسی و نقد اشکالات مربوط به حوزه علم الاهی

 

الله تعالى عالماً بغيره من الماهيات لزم حصول صور تلك المعلومات في ذاته تعالى وذلك يستلزم تكثره تعالى ، وكونه قابلاً وفاعلاً ومحلًّا لآثاره ، وأنّه تعالى لا يوجد شيئاً مما يباين ذاته بل بتوسط الأُمور الحالّة فيه ، وكلّ ذلك باطل.

وتقرير الجواب : أن العلم لا يستدعي صوراً مغايرة للمعلومات عنده تعالى ، لأنّ العلم هو الحصول عند المجرد على ما تقدم ، ولا ريب في أنّ الأشياء كلها حاصلة له لأنّه مؤثرها وموجدها ، وحصول الأثر للمؤثر أشد من حصول المقبول لقابله مع أنّ الثاني لا يستدعي حصول صورة مغايرة لذات الحاصل ، فإنا إذا عقلنا ذواتنا لم نفتقر إلى صورة مغايرة لذواتنا ثمّ إذا أدركنا شيئاً ما بصورة تحصل في أذهاننا فإنا ندرك تلك الصورة الحاصلة في الذهن بذاتها لا باعتبار صورة أُخرى وإلّا لزم تضاعف الصور مع أن تلك الصورة حاصلة لذاتنا لا بانفرادها بل بمشاركة من المعقولات ، فحصول العلم بالموجودات لواجب الوجود الذي تحصل له الأشياء من ذاته بانفراده من غير افتقار إلى صور لها أولى ؛ ولما كانت ذاته سبباً لكل موجود وعلمه بذاته علة لعلمه بآثاره وكانت ذاته وعلمه بذاته العلتان ، متغايرتين بالاعتبار متحدتين بالذات ، فكذا معلوله والعلم به متحدان بالذات متغايران بنوع من الاعتبار.

وهذا بحث شريف أشار إليه صاحب التحصيل وبسطه المصنف رحمه‌الله في شرح الاشارات ، وبهذا التحقيق يندفع جميع المحالات لأنها لزمت باعتبار حصول صور في ذاته تعالى عن ذلك.

قال : وتغيُّرُ الإضافات ممكنٌ.

أقول : هذا جواب عن اعتراض الحكماء القائلين بنفي علمه تعالى

بالجزئيات الزمانية.

وتقرير الاعتراض : أن العلم يجب تغيره عند تغير المعلوم ، وإلّا لانتفت المطابقة لكن الجزئيات الزمانية متغيرة فلو كانت معلومة لله تعالى لزم تغير علمه تعالى والتغير في علم الله تعالى محال.

وتقرير الجواب : أنّ التغير هنا إنّما هو في الإضافات لا في الذات (١) ولا في الصفات الحقيقية ، كالقدرة التي تتغير نسبتها وإضافتها إلى المقدور عند عدمه ، وان لم تتغير في نفسها ، وتغير الإضافات جائز لأنّها أُمور اعتبارية لا تحقق لها في الخارج.

__________________

(١) ويعبر أيضاً عن هذا الجواب بأنّ التغير في طرف العلم لا في نفسه ، كالقدرة ، فإنّ المتغير هو المقدور ، لا القدرة.

توضيحه : أنّه لو كان علمه حصولياً ارتسامياً حالًّا في ذاته ، لزم التغير في الذات ، حسب تغير الصور كما إذا قام زيد ثمّ قعد ، فتكون هناك صورة بعد صورة ، لكن علمه سبحانه بالأشياء حضوري ، وعليه يكون هناك حضور بعد حضور ، فالتغير إنّما هو في الإضافة والنسبة (الحضور) لا في العلم ، والإضافات أُمور اعتبارية كما قرره الماتن في مبحث المضاف من الأعراض (١).

والأولى أن يجاب بأنّ التغير إنّما هو في علمه الفعلي لا في علمه الذاتي ، فإنّ العالم بوجوده الخارجي فعله وعلمه ، كما أنّ الصورة المرتسمة فعل النفس وعلمها ، والممنوع إنّما هو التغير في علمه الذاتي بالأشياء الموجب لحدوث التغير في ذاته سبحانه ، لا في علمه الفعلي.

وأمّا عدم التغير في علمه الذاتي فلأنّه لما لم يكن مكانياً كانت الأمكنة بالنسبة إليه سواء فلا قريب ولا بعيد بالنسبة إليه ، ولمّا لم يكن زمانياً كانت الأزمنة بالنسبة إليه سواء فلا ماضي ولا مستقبل لديه بل هو واقف على الجميع من غير تقدم وتأخر ، ومن تكن

__________________

(١) لاحظ كشف المراد ، الفصل الخامس : المضاف ، المسألة الثالثة في أنّ الاضافة ليست ثابتة في الأعيان ص ٢٥٨ ، وقال الماتن : وثبوته ذهني وإلّا تسلسل.

قال : ويمكن اجتماعُ الوجوب والإمكان باعتبارين.

أقول : هذا جواب عن احتجاج من نفى علمه تعالى بالمتجددات قبل وجودها.

وتقرير كلامهم : أنّ العلم لو تعلق بالمتجدد (١) قبل تجدده لزم وجوبه ، وإلّا لجاز أن لا يوجد فينقلب علمه تعالى جهلا وهو محال.

والجواب : إن أردتم بوجوب ما علمه تعالى ، أنّه واجب الصدور عن العلم فهو باطل لأنّه تعالى يعلم ذاته ويعلم المعدومات ، وإن أردتم وجوب المطابقة لعلمه فهو صحيح لكن ذلك وجوب لاحق لا سابق فلا ينافي الإمكان الذاتي.

وإلى هذا أشار بقوله : ويمكن اجتماع الوجوب والإمكان باعتبارين.

__________________

ـ حاله كذلك فالمتغيرات بأجمعها حاضرة لديه من دون أن يحدث التغير في الكون تغيراً في العلم ، ونستوضح ذلك بالمثال التالي : إذا نظرنا من الكوّة إلى الشارع المليئة بالسيارات فلا نرى في كل لحظة إلّا سيارة واحدة فنصفُ السيارات بالسبق والتأخر ، وأمّا إذا نظرنا إلى الشارع من أُفق عال رأينا الجميع دفعة واحدة ومحيطاً بها من غير سبق ولا لحوق ، والله سبحانه لتنزهه عن الزمان والمكان يحيط بالأشياء متقدمها ومتأخرها بلا تقدم وتأخر وتكون نسبة الجميع إليه واحدة.

(١) توضيح التقرير : أنّه تعالى لا يعلم الحوادث قبل وقوعها ، وإلّا يلزم أن يكون تلك الحوادث ممكنة وواجبة معاً ، والتالي باطل للتنافي بين الوجوب والإمكان ، بيان اللزوم أنّها ممكنة لكونها حادثة ، وواجبة أيضاً وإلّا أمكن أن لا يوجد فينقلب علمه جهلاً وهو محال.

والجواب : أنّ العلم تابع للمعلوم ، فلا يكون تعلّق علمه به دليلاً على وجوبه ، ولو سلم فنقول : انّها ممكنة لذواتها ، وواجبة بغيرها وهو تعلق علم البارئ تعالى بوجودها ولا تنافي بين الإمكان بالذات ، والوجوب بالغير (١).

__________________

(١) لاحظ شرح علاء الدين للقوشجي : ٤١٤ ط تبريز عام ١٣٠٧.