درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۱۸: صفت صدق، بقاء و نفی الشریک

 

وقالت الأشاعرة : إنّه متكلم بمعنى أنّه قام بذاته معنى غير العلم والإرادة وغيرهما من الصفات تدل عليها العبارات ، وهو الكلام النفساني ، وهو عندهم معنى واحد ليس بأمر ولا نهي ولا خبر ولا غير ذلك من أساليب الكلام.

والمصنف رحمه‌الله حينئذ استدل على ثبوت الكلام بالمعنى الأول بما تقدم من كونه تعالى قادراً على كل مقدور لا شك في إمكان خلق أصوات في أجسام تدل على المراد.

وقد اتفقت المعتزلة والأشاعرة على إمكان هذا ، لكن الأشاعرة أثبتوا معنى آخر ، والمعتزلة نفوا هذا المعنى لأنّه غير معقول ، إذ لا يعقل ثبوت معنى غير العلم ليس بأمر ولا نهي ولا خبر ولا استخبار وهو قديم ، والتصديق موقوف على التصور.

قال : وانتفاءُ القبح عنه تعالى يدلُّ على صدقه.

أقول : لما أثبت كونه تعالى متكلماً وبيّن معناه شرع في بيان كونه تعالي صادقاً ، وقد اتفق المسلمون عليه ، لكن لا يتمشى على أُصول الأشاعرة.

أمّا المعتزلة فهذا المطلب عندهم ظاهر الثبوت ، لأنّ الكذب قبيح بالضرورة ، والله تعالى منزّه عن القبائح لأنّه تعالى حكيم على ما يأتي فلا يصدر الكذب عنه تعالى.

المسألة السابعة : في أنّه تعالى باق

قال : ووجوب الوجود يدلُّ على سرمديته (١) ونفي الزائد.

أقول : اتفق المثبتون للصانع تعالى على أنّه باق أبداً واختلفوا ، فذهب الأشعري إلى أنّه باق ببقاء يقوم به ، وذهب آخرون إلى أنّه باق لذاته ، وهو الحق الذي اختاره المصنف.

والدليل على أنّه باق ، ما تقدم من بيان وجوب وجوده لذاته وواجب الوجود لذاته يستحيل عليه العدم ، وإلّا لكان ممكناً.

والاعتراض الذي يورد هنا وهو أنّه يجوز أن يكون واجباً لذاته في وقت وممتنعاً في وقت آخر يدل على سوء فهم مورِده ، لأنّ ماهيته حينئذ بالنظر إليها مجردة عن الوقتين تكون قابلة لصفتي الوجود والعدم ولا نعني بالممكن سوى ذلك.

واعلم أنّ هذا الدليل كما يدل على وجوب البقاء يدل على انتفاء المعنى

__________________

(١) إنّ وجوب الوجود ، في كلام الماتن صار مبدأ برهان لمسائل عديدة ، وهو يعرب عن مقدرة علمية للمحقق الطوسي ، فقد استخرج معارف عليا من مبدأ واحد وهو وجوب وجوده ، فقد استدل به على المسائل التالية :

١ ـ سرمديته. ٢ ـ نفي الزائد عنه. ٣ ـ نفي الشريك عنه. ٤ ـ نفي المِثْل عنه. ٥ ـ نفي التركيب بمعانيه عنه. ٦ ـ نفي الضد عنه. ٧ ـ نفي التحيّز عنه. ٨ ـ نفي الحلول عنه. ٩ ـ نفي الاتحاد عنه. ١٠ ـ نفي الجهة عنه. ١١ ـ نفي حلول الحوادث فيه عنه. ١٢ ـ نفي الحاجة عنه (غنيّ). ١٣ ـ نفي الألم واللذة المزاجية عنه. ١٤ ـ نفي المعاني والأحوال والصفات الزائدة عنه. ١٥ ـ نفي الرؤية عنه. ١٦ ـ ثبوت الجود له. ١٧ ـ والملك له. ١٨ ـ ثبوت التمام وفوقه له. ١٩ ـ ثبوت الحقية له. ٢٠ ـ ثبوت الخيرية له. ٢١ ـ ثبوت الحكمة له. ٢٢ ـ ثبوت التجبّر له. ٢٣ ـ ثبوت القهر له. ٢٤ ـ ثبوت القيّوميّة له.

هذه الصفات التي هي بين سلبية وثبوتية ، تثبت بثبوت أمر واحد وهو وجوب وجوده وأنّه يمتنع عليه العدم ، وقام الشارح بشرح ما رامه المصنّف ، شكر الله مساعي الجميع.

الذي أثبته أبو الحسن الأشعري ، لأنّ وجوب الوجود يقتضي الاستغناء عن الغير ، فلو كان باقياً بالبقاء كان محتاجاً إليه فيكون ممكناً ، هذا خلف.

المسألة الثامنة : في أنّه تعالى واحد

قال : والشرِيكِ (١)

أقول : هذا عطف على الزائد ، أي ووجوب الوجود يدل على نفي الزائد ونفي الشريك.

واعلم أنّ أكثر العقلاء اتفقوا على أنّه تعالى واحد.

والدليل على ذلك العقل والنقل. أمّا العقل فما تقدم من وجوب وجوده تعالى ، فإنّه يدل على وحدته ، لأنّه لو كان هناك واجب وجود آخر لتشاركا في مفهوم كون كل واحد منهما واجب الوجود ، فإمّا أن يتميزا أو لا ، والثاني يستلزم المطلوب وهو انتفاء الشركة ، والأول يستلزم التركيب وهو باطل وإلّا لكان كل واحد منهما ممكناً وقد فرضناه واجباً ، هذا خلف ، وأمّا النقل فظاهر.

__________________

(١) إنّ الشريكين يعتبر فيهما اختلافهما في الماهية ، بخلاف المِثل فإنّه تعتبر فيه الوحدة في الماهية ولذلك عقد لكل من نفي الشريك والمثل مسألة خاصة.

ثمّ الشريك عبارة عن اجتماع الاثنين أو أكثر على فعل أو حق أو مال أو غير ذلك ، وعلى هذا كان على الشارح في تعليقته على قول الماتن «ونفي الشريك» إقامة الدليل على وحدة الخالق في العالَم ، وبعبارة أُخرى كان عليه البحث حول التوحيد في الخالقية ، بعد البحث عن التوحيد في الذات ، مع أنّه في هذا المورد أقام البرهان على التوحيد في الذات ، ولعلّ العدولَ إليه لأجل استلزام وحدة الواجب وجوداً وحدة الخالق أيضاً. وهذا وإن كان صحيحاً ، لكنّه فوّت على الشارح البحث عن مراتب التوحيد : الذاتي ، التدبيري ، و... على النحو الذي سلكناه في «الإلهيات» كما لا يخفى.

المسألة التاسعة : في أنّه تعالى مخالف لغيره من الماهيات

قال : والمثلِ (١).

أقول : هذا عطف على الزائد أيضاً ، أي ووجوب الوجود يدل على نفي الزائد ونفي الشريك ونفي المثل ، وهذا مذهب أكثر العقلاء ، وخالف فيه أبو هاشم فإنّه جعل ذاته مساوية لغيرها من الذوات وإنّما تخالفها بحالة توجب أحوالاً أربعة ، وهي الحيية والعالمية والقادرية والموجودية ، وتلك الحالة هي صفة إلهية ، وهذا المذهب لا شك في بطلانه فإنّ الأشياء المتساوية تتشارك في لوازمها فلو كانت الذوات متساوية جاز انقلاب القديم محدثاً وبالعكس وذلك باطل بالضرورة.

__________________

(١) قد عرفت أنّ المثل يطلق فيما إذا كان بين الأمرين وحدة في الماهية واختلاف في الأصناف والخصوصيات ، كفردين من إنسان ، والله سبحانه تباين ماهيتُه ماهيةَ الممكنات فلا يتصور له مثل ، والدليل على التباين أنّ مقتضى وجوب وجوده كون ماهيته عين الوجود ، وإلّا فلو كانت له وراء الوجود ماهية خالية عن الوجود ، لزم إمكان وجوده وهو خلف ، بخلاف الممكنات فإنّ ماهيتها وراء الوجود ، إذ لو كان الوجود عينَ ماهيته أو جزءاً منها لما اتصف بالإمكان ومساواة نسبة الوجود والعدم إليه. هذا هو الذي سلكه أكثر العقلاء.

وهناك بعض من يتصور لله سبحانه ماهية كمفاهيم الممكنات ، غير أنّه يتميز عنها بأحد أمرين :

١ ـ الصفات الحقيقية الزائدة كالعلم والقدرة التامتين. وعليه فريق من المتكلمين.

٢ ـ الأحوال الأربعة ، وهي الحيية والعالمية والقادرية والموجودية ، وبطلان النظريتين واضح ، لأنّ لازم تساوي ذاته مع ذات الممكنات أن يوصف كلٌّ بصفات الآخر ، فيتصف الواجب بصفات الممكن ، والممكن بصفات الواجب لأنّ حكم الامثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد ، ولازمه انقلاب القديم محدثاً وبالعكس ، وإلى ما ذكرنا أشار الشارح بقوله : «فإنّ الأشياء المتساوية تتشارك في لوازمها ...».

المسألة العاشرة : في أنّه تعالى غير مركب

قال : والتركيبِ بمعانيه.

أقول : هذا عطف على الزائد ، بمعنى أنّ وجوب الوجود يقتضي نفي التركيب أيضاً.

والدليل على ذلك أنّ كل مركب فإنّه مفتقر إلى أجزائه لتأخره وتعليله بها وكل جزء من المركب فإنّه مغاير له وكل مفتقر إلى الغير ممكن ، فلو كان الواجب تعالى مركباً كان ممكناً ، هذا خلف ، فوجوب الوجود يقتضي نفي التركيب.

واعلم أنّ التركيب قد يكون عقلياً وهو التركيب من الجنس والفصل ، وقد يكون خارجياً كتركيب الجسم من المادة والصورة وتركيب المقادير من غيرها ، والجميع منفيّ عن الواجب تعالى ، لاشتراك المركبات في افتقارها إلى الأجزاء ، فلا جنس له ولا فصل له ولا غيرهما من الأجزاء العقلية والحسيّة.

المسألة الحادية عشرة : في أنّه تعالى لا ضدّ له

قال : والضدِّ.

أقول : هذا عطف على الزائد أيضاً ، فإنّ وجوب الوجود يقتضي نفي الضد لأنّ الضد يقال بحسب المشهور على ما يعاقب غيره من الذوات على المحل أو الموضوع مع التنافي بينهما ، وواجب الوجود يستحيل عليه الحلول ، فلا ضد له بهذا المعنى ؛ ويطلق أيضاً على مساوٍ في القوة ممانع وقد بيّنا أنّه تعالى لا مثل له فلا مشارك له تعالى في القوة.