درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۲۲: نفی جهت، حلول حوادث و اثبات استغناء در باب خداوند متعال

 

المسألة الخامسة عشرة : في نفي الجهة عنه تعالى

قال : والجهةِ (١).

أقول : هذا حكم من الأحكام اللازمة لوجوب الوجود ، وهو معطوف على الزائد ، وقد نازع فيه جميع المجسمة فإنّهم ذهبوا إلى أنّه تعالى جسم في جهة.

__________________

(١) قد تقدم أنّ نفي التحيّز والجهة متقاربان ، ولكن الجهة أعم من التحيز ، لأنّ النقطة لها جهة وليست بمتحيزة. قال الماتن في المسألة الحادية عشرة من الفصل الأوّل من المقصد الثاني (١) : «الجهة طرف الامتداد الحاصل في مأخذ الإشارة». وقال الشارح في ذلك الموضع : انّا نتوهم امتداداً آخذاً من المشير ومنتهياً إلى المشار إليه ، فذلك المنتهى هو طرف الامتداد الحاصل في مأخذ الإشارة.

وقال الماتن أيضاً : «وهي من ذوات الأوضاع المقصودة بالحركة للحصول فيها وبالإشارة».

وعلى كل تقدير فإنّ القائل بكونه سبحانه ذا جهة :

إمّا أن يقول بكونه جسماً ذا جهة ، فيردّه ما دل على امتناع كونه جسماً ، وهو أنّ الجسم غير خال عن الحركة والسكون كما تقدم بيانه.

وإمّا أن يقول به من دون وصفه بكونه جسماً (وان لم يكن له قائل فإنّ الكرّامية القائلة بالجهة تقول بأنّه سبحانه جسم) ـ فانّ الجهة إذا لم يكن جسماً ليست أمراً مجرداً عن المادَّة وعلائقها ، بل هي من ذوات الأوضاع التي تتناولها الإشارة الحسية وتقصد بالحركة والإشارة ، فتكون موجودة مادية ، وهي لا تخلو عن الأكوان الحادثة ، وإليه أشار الشارح : «لأنّ كل ذي جهة فهو مشار إليه ومحل للأكوان الحادثة فيكون حادثاً فلا يكون واجباً». وعلى ضوء ذلك ، فلكل من الوجهين دليل مستقل. –

__________________

(١) كشف المراد : ١٥٤.

وأصحاب أبي عبد الله بن كرّام اختلفوا :

فقال محمد بن الهيصم : إنّه تعالى في جهة فوق العرش لا نهاية لها والبعد بينه وبين العرش أيضاً غير متناه.

وقال بعضهم : البعد متناه ، وقال قوم منهم : إنّه تعالى على العرش كما تقوله المجسمة!

وهذه المذاهب كلها فاسدة ، لأنّ كل ذي جهة فهو مشار إليه ومحل للأكوان الحادثة فيكون حادثاً فلا يكون واجباً.

المسألة السادسة عشرة : في أنّه تعالى ليس محلاً للحوادث

قال : وحلولِ الحوادث فيه.

أقول : وجوب الوجود ينافي حلول الحوادث في ذاته تعالى ، وهو معطوف على الزائد ، وقد خالف فيه الكرامية.

والدليل على الامتناع أن حدوث الحوادث فيه تعالى يدلّ على تغيره وانفعاله في ذاته ، وذلك ينافي الوجوب ، وأيضاً فإنّ المقتضي للحادث إن كان ذاته كان أزلياً وإن كان غيره كان الواجب مفتقراً إلى الغير وهو محال ، ولأنّه إن كان صفة كمال استحال خلو الذات عنه وإن لم يكن استحال اتصاف الذات به (١).

__________________

(١) إذا كان المقتضى لحلول الحوادث في ذاته ، هو ذاته سبحانه ، يلزم قدم الحادث وأزليته لأنّ أزلية العلّة توجب أزلية المعلول.

وإن كان المقتضي لحلول الحوادث غير ذاته ، يكون الذات مفتقراً إلى الغير الذي هو السبب لحدوث الحوادث في ذاته.

المسألة السابعة عشرة : في أنّه تعالى غنيّ

قال : والحاجةِ.

أقول : وجوب الوجود ينافي الحاجة ، وهو معطوف على الزائد ، وهذا الحكم ظاهر فإن وجوب الوجود يستدعي الاستغناء عن الغير في كل شيء فهو ينافي الحاجة ، ولأنّه لو افتقر إلى غيره لزم الدور لأن ذلك الغير محتاج إليه لإمكانه.

لا يقال : الدور غير لازم (١) لأن الواجب مستغن في ذاته وبعض صفاته عن ذلك الغير وبهذا الوجه يؤثر في ذلك الغير فإذا احتاج في جهة أُخرى إلى ذلك الغير انتفى الدور.

لأنا نقول : هذا بناء على أنّ صفاته تعالى زائدة على الذات وهو باطل

__________________

(١) يريد أنّ الدور إنّما يلزم إذا توقف وجود الواجب على ذلك الغير ، مع أنّه ليس كذلك بل هو مستغن في ذاته عن كل شيء ، وإنّما يحتاج إليه في بعض صفاته (لا في ذاته ولا في كل صفاته) ، فعندئذ يرتفع الدور ، لأنّ الغير في وجوده محتاج إلى ذات الواجب ، ولكن الواجب لا في ذاته ولا في كلّ صفاته بل من جهة أُخرى (بعض الصفات) محتاج إلى الغير ، فارتفع الدور لتغاير الموقوف عليه ، وللتقريب نقول : إنّ الممكنات في وجودها يتوقف على ذات الواجب ، وهو في وصفه الإضافي (الخالقية) متوقف على وجودها.

ثمّ أجاب الشارح عن الدور بوجهين لأجل الاختلاف في عينية الصفات وزيادتها :

إن قلنا بالعينية يلزم الدور الصريح ، لأنّ الصفة التي أعطاها ذلك الغير عين ذاته ، فيتوقف ذات الواجب على الغير ، مع أنّه متوقف على ذاته ، وإلى هذا الجواب أشار بقوله : «هذا (أي ما ذكر من دفع الدور) بناء على أنّ صفاته تعالى زائدة على الذات وهو باطل لما سيأتي» ، يعني بما انّ صفاته عين ذاته يلزم الدور الصريح.

وإن قلنا بالثاني يأتي الدور أيضاً لكن ببيان آخر ، وهو أنّ الصفة التي يحتاج الواجب فيها إلى الممكن ، تتوقف على تأثير الممكن ، وتأثيره يتوقف على جهة التأثير (ملاك ـ

لما سيأتي ، وأيضاً فالدور لا يندفع لأن ذلك الممكن بالجهة التي يؤثر في الواجب تعالى صفة يكون محتاجاً إليه وحينئذ يلزم الدور المحال.

ولأن افتقاره في ذاته يستلزم إمكانه (١) وكذا في صفاته لأن ذاته موقوفة على وجود تلك الصفة أو عدمها المتوقفين على الغير فيكون متوقفاً على الغير فيكون ممكناً ، وهذا برهان عوّل عليه الشيخ ابن سينا.

__________________

ـ التأثير) وجهة التأثير يتوقف على وجود الممكن ، ووجوده يتوقف على الواجب ، فيكون الممكن محتاجاً إلى الواجب في تحقّق تلك الصفة مع أنّ المفروض انّ الواجب محتاج في تحقّق تلك الصفة بعينها إلى الممكن.

وإلى هذا الجواب أشار الشارح بقوله : «وأيضاً فالدور لا يندفع لأنّ ذلك الممكن بالجهة التي يؤثر في الواجب تعالى صفة يكون محتاجاً إليه وحينئذ يلزم الدور المحال» وإليك تطبيق العبارة :

١ ـ المراد «بالجهة التي يؤثر» هو ملاك التأثير الذي يتوقف عليه التأثير ، وقد مرّ أنّ الجهة أيضاً متوقفة على ذات الممكن توقف الفعل ومبادئه على ذات الفاعل. والجار في «بالجهة» بمعنى مع.

٢ ـ «صفة» مفعول لقوله : يؤثر ، أي يوجد صفة في الله ، والمعنى أنّ الممكن مع الجهة التي يحقّق الصفة في الواجب محتاج إلى الواجب ، فإذا كان الممكن مع تلك الجهة محتاجاً إلى الواجب كيف يكون الواجب محتاجاً إليه في تحقّق الصفة؟

(١) هذا ناظر إلى أصل المطلب ولا صلة له بالدور ولا بدفعه واستدلال على أنّه سبحانه غني لكن ببيان جديد ربّما أشار إليه في الجواب الأوّل بقوله : «لما سيأتي» ، وهو أنّ واجب الوجود بالذات واجب من جميع الجهات ، ذاتاً وصفة وفعلاً ، إذ لو لم يجب ذاتاً لزم افتقاره وهو ينافي كونه واجب الوجود ، ولو لم يجب وصفاً لزم إمكانه أيضاً ، لأنّ ذاته موقوفة على وجود تلك الصفة إذا كانت الصفة ثبوتية أو على عدمها إذا كانت سلبية ـ وجه توقف الذات على الصفة هو عينيتها مع الصفة ـ فإذا توقفت الصفة وبالتالي الذات على الغير ، يكون ممكنا لا واجباً وهو كما ترى خلاف المفروض.