درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۳۸: هدایت و ضلالت و تعذیب اطفال

 

ورابعها : أنّ المجوس قالوا : إنّ القادر على الخير لا يقدر على الشر وبالعكس ، والمجبرة قالوا : إنّ القدرة موجبة للفعل غير متقدمة عليه ، فالإنسان القادر على الخير لا يقدر على ضده وبالعكس.

المسألة التاسعة : في الهدى والضلالة

قال : والإضلالُ الإشارة إلى خلاف الحق وفعلُ الضلالةِ والإهلاك ، والهُدى مقابلٌ ، والأوَّلانِ منفيّانِ عنه تعالى.

أقول : يطلق الإضلال على الإشارة (١) إلى خلاف الحق وإلْباس الحقّ

__________________

(١) حاصل ما أفاده أنّ لكل من الضلالة والهداية معانيَ ثلاثة متقابلة ، وتصحّ نسبة الهداية بمعانيها الثلاثة إلى الله سبحانه ، دون الضلالة بل تصح نسبة المعنى الثالث منها إليه تعالى. نعم : إيجاد الهداية في العباد ، مختص بغير ما كلّفوا به كالإيمان فإنّه فعل العبد ، بقرينة التكليف به خلافاً للأشاعرة حيث ذهبوا إلى أنّه يوجد الإيمان والكفر في العباد.

والذي ينبغي التنبيه عليه : أنّ إيجاد الهداية في العباد يرجع إلى إيجاد مقدماتها من الداخل كالعقل والفطرة ، والخارج كالرسل والكتب.

ثمّ إنّ حل عقد الجبر يحصل بالوقوف على أنّ لله هدايتين : عامّة لجميع الناس ، وخاصّة لبعضهم ، ومصحح العقوبة والمثوبة هو الأولى منهما ، فمن تمت الحجّة في حقه تصح عقوبته ، وإلّا فلا ، وأمّا الهداية الثانية فهي مختصة بالمستفيدين من الهداية الأولى ، وما في قوله سبحانه : ﴿فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (إبراهيم : ٤) الذي وقع ذريعة للمجبرة ليس يهدف إلى الهداية والضلالة العامتين ، كما لا يهدف إلى وجود الفوضى في أمر الهداية والضلالة لأنّه يخالف كونه حكيماً ، ولأجل نقد تلك الفكرة وصف سبحانه نفسه في آخر الآية بقوله : ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ، بل هو وأمثاله ناظر إلى أنّ من لم يهتد بالهداية العامّة يضلّه ولا يوفقه بالاهتداء إلى الدرجات العليا ، وأمّا من ـ

بالباطل كما تقول : أضلّني فلان عن الطريق ، إذا أشار إلى غيره وأوهم أنّه هو الطريق. ويطلق على فعل الضلالة في الانسان كفعل الجهل فيه حتى يكون معتقداً خلاف الحق.

ويطلق على الإهلاك والبطلان كما قال تعالى : ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ يعني يبطلها.

والهدى يقال لمعان ثلاثة مقابلة لهذه المعاني ، فيقال بمعنى نصب الدلالة على الحق كما تقول : هداني إلى الطريق ، وبمعنى فعل الهدى في الإنسان حتى يعتقد الشيء على ما هو به ، وبمعنى الإثابة كقوله تعالى : ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ يعني سيثيبهم.

والأوّلان منفيان عنه تعالى ، يعني الإشارة إلى خلاف الحق وفعل الضلالة ، لأنّهما قبيحان والله تعالى منزّه عن فعل القبيح.

وأمّا الهداية فالله تعالى نصب الدلالة على الحق وفعل الهداية الضرورية

__________________

ـ اهتدى بالهداية العامّة فيوفقه بتحصيل أعلى درجاتها ، وإلى ذلك يشير الكتاب العزيز ويقول : ﴿اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (الشورى : ١٣) ويقول : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ (محمد : ١٧) ويقول تعالى : ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً﴾ (الكهف : ١٣). (١)

وممّا يدل على أنّ الضلالة والهداية بمعنى المثوبة والإهلاك قوله سبحانه : ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ (محمد : ١).

﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ* سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ* وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ (محمد : ٤ ـ ٦).

__________________

(١) وإن أردت التفصيل فلاحظ الإلهيات : ٢ / ٣٨٧ ـ ٣٩٤.

في العقلاء ، ولم يفعل الإيمان فيهم لأنّه كلّفهم به ، ويثيب على الإيمان ، فمعاني الهداية صادقة في حقه تعالى إلّا فعل ما كلّف به.

وإذا قيل إنّه تعالى يهدي ويضلّ فإنّ المراد به أنّه يهدي المؤمنين بمعنى أنّه يثيبهم ويضلّ العصاة بمعنى أنّه يهلكهم ويعاقبهم ، وقول موسى عليه‌السلام ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ (١) فالمراد بالفتنة الشدة والتكليف الصعب ، يضلّ بها من يشاء أي يهلك من يشاء وهم الكفّار.

المسألة العاشرة : في أنّه تعالى لا يعذّب الأطفال

قال : وتعذيبُ غيرِ المكلّف قبيحٌ ، وكلامُ نوحٍ عليه‌السلام مجازٌ ، والخدمةُ ليست عقوبةً له ، والتبعيَّةُ في بعض الأحكام جائزةٌ.

أقول : ذهب بعض الحشوية إلى أنّ الله تعالى يعذّب أطفال المشركين ، ويلزم الأشاعرة تجويزه ، والعدلية كافة على منعه ، والدليل عليه أنّه قبيح عقلاً فلا يصدر منه تعالى.

احتجّوا بوجوه : الأوّل : قول نوح عليه‌السلام (٢) : ﴿وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً﴾ (٣).

__________________

(١) الأعراف : ١٥٥.

(٢) وجه الاستدلال أنّ الآية دلّت على أنّ ولد الكافر كافر ، وثبت أنّ كل كافر في النار ، فينتج أنّ ولد الكافر في النار ، والجواب عدم تكرر الحدّ الأوسط ، لأنّ المراد منه في الصغرى هو الكافر مجازاً والمراد منه في الكبرى هو الكافر حقيقة.

(٣) نوح : ٢٧.

والجواب : أنّه مجاز ، والتقدير : أنهم يصيرون كذلك ، لا حال طفوليتهم.

الثاني : قالوا : إنّا نستخدمه (١) لأجل كفر أبيه ، فقد فعلنا فيه ألماً وعقوبة فلا يكون قبيحاً.

والجواب : أنّ الخدمة ليست عقوبة للطفل ، وليس كل ألم ومشقة عقوبة فإنّ الفصد والحجامة ألمان وليسا عقوبة ، نعم استخدامه عقوبة لأبيه (٢) وامتحان له يعوَّض عليه (٣) كما يعوّض على أمراضه.

الثالث : قالوا : إنّ حكم الطفل يتبع حكم أبيه في الدفن ومنع التوارث والصلاة عليه ومنع التزويج.

والجواب : أنّ المنكَر عقابه لأجل جرم أبيه ، وليس بمنكر أن يتبع حكم أبيه في بعض الأشياء إذا لم يحصل له بها ألم وعقوبة ، ولا ألم له في منعه من الدفن والتوارث وترك الصلاة عليه.

__________________

(١) حاصل الاستدلال أنّه لو كان العقوبة بلا ذنب قبيحاً فلما ذا جاز في الشرع استخدام أولاد الكفار بالاسترقاق والاستخدام عقوبة؟ والجواب أنّ استرقاقه لصالح الولد ، حيث يدخل في حظيرة الإسلام ويعيش مع المسلمين فيعود مسلماً.

(٢) أي استخدام ولده عقوبة للأب ، لأنّه ينظر إلى الظاهر ويتأذى كما يتأذى في استرقاق نفسه ، ولكن الاسترقاقين نعمة من الله عليهما.

(٣) أي ابتلاء ومحنة ، والضميران راجعان إلى الأب ، والله سبحانه يُعوِّض ذلك الابتلاء والمحنة في الآخرة إذا قلنا بعمومية العوض للمسلم وغيره ، أو قلنا بشرط أن يسلم إلى آخر عمره.