درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۳۷: قضا و قدر

 

العلم باستناد المتولد إلينا ، فإنّا نذم على المتولّد وإن علمنا استناده إلى غيرنا ، فإنّا نذمّ من ألقى الصبي في النار إذا احترق بها وإن كان المحرق هو الله تعالى.

والجواب : أنّ الذم هنا على الإلقاء لا على الإحراق فإنّ الإحراق من الله تعالى عند الإلقاء حسن لما يشتمل عليه من الأعواض لذلك الصبي ولما فيه من مراعاة العادات وعدم انتقاضها في غير زمان الأنبياء ، ووجوب الدية حكم شرعي (١) لا يجب تخصيصه بالفعل فإنّ الحافر للبئر يلزمه الدية وإن كان الوقوع غير مستند إليه.

المسألة الثامنة : في القضاء والقدر (٢)

قال : والقضاء والقدرُ إن أُريد بهما خلقُ الفعل لزم المحالُ ، أو الإلزامُ صحَّ في الواجب خاصةً ، أو الإعلامُ صحَّ مطلقاً ، وقد بيَّنه أميرُ المؤمنين عليه‌السلام في حديث الأصبغ(٣).

أقول : يطلق القضاء على الخلق والإتمام ، قال الله تعالى : ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٤) أي خلقهن وأتمهن.

__________________

(١) جواب عن سؤال مقدّر ، وهو أنّه إذا انحصر عمل الإنسان بالإلقاء ، وكان الإحراق عملَه سبحانه فلما ذا وجبت الدية على الملقي دون المحرِق؟ فأجاب بأنّه حكم تعبّدي فتأمّل.

(٢) لما كانت مسألة القضاء والقدر كالهداية والضلالة من أدلة القول بالجبر ، حاول الإجابة عنها في المسألتين : الثامنة ، والتاسعة ، وقد ذكر في المقام للقضاء معاني مختلفة ، والحق أنّ له معنىً واحداً وهو الفعل الصادر عن إتقان ، والمعاني الأُخر صور لهذا المعنى الأصيل ، وقد أوضحناه في رسالتنا في القضاء والقدر.

(٣) الكافي : ١ / ١٥٥ ، وراجع الأسفار : ٦ / ٤٠٢ ـ ٤١٣.

(٤) فصّلت : ١٢.

وعلى الحكم والإيجاب ، كقوله تعالى : ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) أي أوجب وألزم.

وعلى الإعلام والإخبار ، كقوله تعالى : ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ﴾ (٢) أي أعلمناهم وأخبرناهم.

ويطلق القدر على الخلق ، كقوله تعالى : ﴿وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها﴾ (٣).

والكتابة ، كقول الشاعر :

واعلم بأن ذا الجلال قد قدر

في الصحف الأولى التي كان سطر

والبيان ، كقوله تعالى : ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٤) أي بيّنا وأخبرنا بذلك.

إذا ظهر هذا فنقول للأشعري : ما تعني بقولك أنّه تعالى قضى أعمال العباد وقدّرها؟ إن أردت به الخلق والإيجاد فقد بيّنا بطلانه وأنّ الأفعال مستندة إلينا ، وإن عنى به الإلزام لم يصحّ إلّا في الواجب خاصة ، وإن عنى به أنّه تعالى بيّنها وكتبها وأعلم أنّهم سيفعلونها فهو صحيح لأنّه تعالى قد كتب ذلك أجمع في اللوح المحفوظ وبيّنه لملائكته ، وهذا المعنى الأخير هو المتعيّن (٥) للإجماع على وجوب الرضا بقضاء الله تعالى وقدره ، ولا يجوز الرضا

__________________

(١) الإسراء : ٢٣.

(٢) الإسراء : ٤.

(٣) فصلت : ١٠.

(٤) النمل : ٥٧.

(٥) ولكن الوارد في كلام الإمام هو الثاني لا الثالث فتدبّر ، وعلى أيّ حال يجب الجمع بين لزوم الرضا بقضاء الله وقدره من جانب ومن جانب لا يجوز الرضا بالكفر وغيره من القبائح ، ولا يمكن الجمع إلّا بتفسير القضاء بإعلام الله سبحانه وبيانه وكتابته وأمّا إذا فسّر بالمعنى الأوّل ، (بمعنى الخلق والإيجاد) فلا يمكن الجمع بين الأمرين.

بالكفر وغيره من القبائح ، ولا ينفعهم الاعتذار (١) بوجوب الرضا به من حيث

__________________

(١) جواب عن اعتذار الخصم الذي يفسر القضاء بالخلق والإيجاد ، بأنّه يمكن الجمع بين الأمرين ، بانّ الرضا بالكفر له وجهين : فمن حيث إنّه فعل الله نرضى به ومن حيث إنّ العبد يكسبه فلا نرضى به ، فأجاب بما في الشرح ، وحاصله : أنّ الكسب إذا كان بقضائه عاد المحذور وهو الرضا بالكفر ، وإن لم يكن بقضائه انخرقت قاعدة أُخرى وهي استناد كل ما في الكون إلى قضائه.

ثمّ إنّه ربّما يتوهّم الجبر حتى على التفسير الثالث ويتصوّر أنّ علمه السابق موجب للإلجاء. ولكنّه مردود بأنّ علمه سبحانه لم يتعلق بصدور أيّ أثر من مؤثره على أيّ وجه اتفق ، وإنّما تعلّق علمه بصدور الآثار عن العلل مع الخصوصية الكامنة في نفس تلك العلل. فإن كانت العلّة علّة طبيعية فاقدة للشعور والاختيار أو واجدة للعلم فاقدة للاختيار ، فتعلّق علمه سبحانه بصدور فعلها وأثرها عنها بهذه الخصوصية ، أي أن تصدر الحرارة من النار من دون أن تشعر فضلاً عن أن تريد ، ويصدر الارتعاش من الإنسان المرتعِش عن علم ولكن لا عن إرادة واختيار. ، فالقول بصدور هذه الظواهر عن عللها بهذه الخصوصية يستلزم انطباق علمه على الواقع وعدم تخلفه عنه قيد شعرة.

وإن كانت العلّة عالمة وشاعرة ومريدة ومختارة كالإنسان فقد تعلّق علمه بصدور أفعالها منها بتلك الخصوصيات وانصباغ فعلها بصبغة الاختيار والحرية ، فلو صدر فعل الإنسان منه بهذه الكيفية ، لكان علمه مطابقاً للواقع غير متخلف عنه ، وأمّا لو صدر فعله عنه في هذا المجال عن جبر واضطرار بلا علم وشعور ، أو بلا اختيار وإرادة فعند ذلك يتخلَّف علمه عن الواقع.

فنقول توضيحاً لذلك : إنّ الأعمال الصادرة من الإنسان على قسمين : قسم يصدر منه بلا شعور ولا إرادة كأعمال الجهاز الدموي والجهاز المعوي وجهاز القلب ، التي تتسم في أفعال الإنسان بسمة الأعمال الاضطرارية غير الاختيارية.

وقسم آخر يصدر منه عن إرادة واختيار ، ويتسم بسمة الأعمال الاختيارية غير الاضطرارية كدراسته وكتابته وتجارته وزراعته.

وعلى ما سبق من أنّ علم الله تعالى تعبير عن الواقع بما لا يتخلف عنه قيدَ شعرة ، فتقع أعماله مورداً لتعلق علم الله بها على ما هي عليه من الخصائص والألوان ، فتكون النتيجة أنّه سبحانه يعلم من الأزل بصدور فعل معين في لحظة معينة من إنسان معين إمّا ـ

إنّه فعله تعالى وعدم الرضا به من حيث الكسب ، لبطلان الكسب أوّلاً ، وثانياً فلأنّا نقول: إن كان كون الكفر كسباً بقضائه تعالى وقدره وجب الرضا به من حيث هو كسب وهو خلاف قولكم ، وإن لم يكن بقضاء وقدر بطل استناد الكائنات بأجمعها إلى القضاء والقدر.

واعلم أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قد بيّن معنى القضاء والقدر وشرحهما شرحاً وافياً في حديث الأصبغ بن نباتة لمّا انصرف من صفين ، فإنّه قام إليه شيخ فقال له : أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء الله تعالى وقدره؟

فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطأنا موطأً ولا هبطنا وادياً ولا علونا تلعة إلّا بقضاء وقدر».

فقال له الشيخ : عند الله أحتسب عنائي ، ما أرى لي من الأجر شيئاً.

فقال له : «مه أيّها الشيخ ، بل عظّم الله أجركم في مسيركم وأنتم سائرون ، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين».

فقال الشيخ : كيف والقضاء والقدر ساقانا؟

فقال : «ويحك ، لعلك ظننت قضاء لازماً وقدراً حتماً ، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد والأمر والنهي ولم تأت لائمة من الله لمذنب ولا محمدة لمحسن ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء ولا المسيء أولى بالذم من المحسن ، تلك مقالة عبدة الأوثان وجنود الشيطان وشهود

__________________

ـ بالاضطرار والإكراه ، أو بالاختيار والحرية ، وتعلّق مثل هذا العلم لا ينتج الجبر ، بل يلازم الاختيار ، ولو صدر كل قسم على خلاف ما اتّسم به ، لكان ذلك تخلفاً عن الواقع.

الزور وأهل العمى عن الصواب ، وهم قدرية هذه الأُمّة ومجوسها ، إنّ الله تعالى أمر تخييرا ونهى تحذيراً وكلّف يسيراً ، لم يعص مغلوباً ولم يطع مكرهاً ، ولم يرسل الرسل عبثاً ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً ، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار».

فقال الشيخ : وما القضاء والقدر اللذان ما سرنا إلّا بهما؟

فقال : «هو الأمر من الله تعالى والحكم.» وتلا قوله تعالى : ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١).

فنهض الشيخ مسروراً وهو يقول :

أنت الإمام الذي نرجو بطاعته

يوم النشور من الرحمن رضواناً

أوضحت من ديننا ما كان ملتبساً

جزاك ربّك عنّا فيه إحساناً

قال أبو الحسن البصري ومحمود الخوارزمي : وجه تشبيهه عليه‌السلام المجبرة بالمجوس من وجوه :

أحدها : أنّ المجوس اختصوا بمقالات سخيفة واعتقادات واهية معلومة البطلان ، وكذلك المجبرة.

وثانيها : أنّ مذهب المجوس أنّ الله تعالى يخلق فعله ثمّ يتبرأ منه كما خلق إبليس ثمّ انتفى منه ، وكذلك المجبرة قالوا : إنّه تعالى يفعل القبائح ثمّ يتبرأ منها.

وثالثها : أنّ المجوس قالوا : إنّ نكاح الأخوات والأُمّهات بقضاء الله وقدره وإرادته ، ووافقهم المجبرة حيث قالوا : إنّ نكاح المجوس لأخواتهم وأُمّهاتهم بقضاء الله وقدره وإرادته.

__________________

(١) الإسراء : ٢٣.

ورابعها : أنّ المجوس قالوا : إنّ القادر على الخير لا يقدر على الشر وبالعكس ، والمجبرة قالوا : إنّ القدرة موجبة للفعل غير متقدمة عليه ، فالإنسان القادر على الخير لا يقدر على ضده وبالعكس.

المسألة التاسعة : في الهدى والضلالة

قال : والإضلالُ الإشارة إلى خلاف الحق وفعلُ الضلالةِ والإهلاك ، والهُدى مقابلٌ ، والأوَّلانِ منفيّانِ عنه تعالى.

أقول : يطلق الإضلال على الإشارة (١) إلى خلاف الحق وإلْباس الحقّ

__________________

(١) حاصل ما أفاده أنّ لكل من الضلالة والهداية معانيَ ثلاثة متقابلة ، وتصحّ نسبة الهداية بمعانيها الثلاثة إلى الله سبحانه ، دون الضلالة بل تصح نسبة المعنى الثالث منها إليه تعالى. نعم : إيجاد الهداية في العباد ، مختص بغير ما كلّفوا به كالإيمان فإنّه فعل العبد ، بقرينة التكليف به خلافاً للأشاعرة حيث ذهبوا إلى أنّه يوجد الإيمان والكفر في العباد.

والذي ينبغي التنبيه عليه : أنّ إيجاد الهداية في العباد يرجع إلى إيجاد مقدماتها من الداخل كالعقل والفطرة ، والخارج كالرسل والكتب.

ثمّ إنّ حل عقد الجبر يحصل بالوقوف على أنّ لله هدايتين : عامّة لجميع الناس ، وخاصّة لبعضهم ، ومصحح العقوبة والمثوبة هو الأولى منهما ، فمن تمت الحجّة في حقه تصح عقوبته ، وإلّا فلا ، وأمّا الهداية الثانية فهي مختصة بالمستفيدين من الهداية الأولى ، وما في قوله سبحانه : ﴿فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (إبراهيم : ٤) الذي وقع ذريعة للمجبرة ليس يهدف إلى الهداية والضلالة العامتين ، كما لا يهدف إلى وجود الفوضى في أمر الهداية والضلالة لأنّه يخالف كونه حكيماً ، ولأجل نقد تلك الفكرة وصف سبحانه نفسه في آخر الآية بقوله : ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ، بل هو وأمثاله ناظر إلى أنّ من لم يهتد بالهداية العامّة يضلّه ولا يوفقه بالاهتداء إلى الدرجات العليا ، وأمّا من ـ