درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۳۶: فعل متولد

 

المسألة السابعة : في المتولد

قال : وحسنُ المدح والذمِّ على المتولِّد يقتضي العلم بإضافته إلينا.

أقول : الأفعال تنقسم إلى المباشر والمتولّد والمخترع :

فالأوّل : هو الحادث ابتداء بالقدرة في محلها (١).

__________________

(١) قد قسّم الحكماء الأفعالَ إلى مُبتدَعٍ ومخترَع وكائنٍ ، وإلى تامّ وناقص ، والناقص إلى مكتف وغيره ، وإلى زمانيّ ودهريّ وسرمديّ و(١)

وقسّمها المتكلّمون إلى المباشر ، والمتولِّد ، والمخترع :

١ ـ عرّفوا المباشر بالحادث ابتداءً بالقدرة في محلها. وهو يختص بغير الواجب لأنّه تعالى لا يفعل فعلاً في ذاته.

٢ ـ عرّفوا المتولّد بالحادث الذي يحدث بحسب فعل آخر كالحركة الصادرة عن الاعتماد ، فالميل الحادث في الحجر فعل مباشر ، والحركة إلى السفل فعل متولد. وكالقوة الحادثة في العضلة المتولدة منها حركة العضو ، فالأولى فعل مباشر والثانية فعل متولّد ، سواء كان الثاني حادثاً في محل القدرة ، كما في هذين المثالين أو في غير محلها كالحركة الحادثة في المفتاح بسبب حركة اليد ، وكتحريك الشجرة ، المتولد منها انفصال الثمرة من الغصن ، وبالرمي بالسهم لقتل الإنسان ، ثمّ المتولّد قد يكون بلا واسطة كما في الحادث في محل القدرة ، وأُخرى بواسطة واحدة أو بأكثر ، كما في الحادث بغير محلها.

وأمّا المراد من «الاعتماد» في قوله : «الحركة الصادرة عن الاعتماد» هو الميل الذي يحدث في الحجر وتحدث بسببه الحركة وهو اصطلاح لهم.

__________________

(١) لاحظ شرح المنظومة ، قسم الإلهيات ، الفريدة الثالثة : ص ١٨٢ ، وأسرار الحكم : ص ١٤٣ ، وما ذكر في المتن تقسيم للفعل في منهج المشائين ، وأمّا الإشراقيون فلهم تقسيمات أُخر حسب أذواقهم ، لاحظ أسرار الحكم ص ١٤٧ ، والغرض الإشارة العابرة إلى أنّ لكل فرقة تقسيماً للفعل والمقصود شرح ما جاء في المتن.

والثاني : هو الحادث الذي يقع بحسب فعل آخر كالحركة الصادرة عن الاعتماد ، ويسمونه المسبب ويسمّون الأوّل سبباً سواء كان الثاني حادثاً في محل القدرة أو في غير محلها.

__________________

قال قطب الدين النيسابوري المقري : «الاعتماد معنىً إذا وُجِدَ أوجب كون محله في حكم المدافع لما يُماسّه مماسة مخصوصة ـ إلى أن قال ـ : إنّ أحدنا إذا وضع حجراً على يده ، وجد اعتماد الحجر حتى كأنّه في يده فهذا طريق إلى إثبات الاعتماد» (١).

ونذكر نكتتين :

الأولى : أنّ تعريف الفعل المباشر (الحادث ابتداءً بالقدرة في محلها) لا ينطبق على الميل الموجود في الأجسام ، فإنّه أمر طبيعي لها لا فعل لها على عقيدة القدماء حيث قالوا : إنّ في كل جسم ميلاً طبيعياً إلى مركزه (الأرض) ـ أو معلول جاذبيّة الأرض على المقرّر في العلم الحديث ، مع أنّ الظاهر منهم أنّه فعل ، حيث قال : «هو الحادث الذي يقع بحسب فعل آخر كالحركة الصادرة عن الاعتماد» ، حيث سمّى الاعتماد فعلاً ، نعم هو فعل الله بمعنى أنّه أوجد الميل في الأجسام ، ولكن لا يُعدّ فعلاً للبشر إلّا أن يكون المراد أنّه فعل الله ومقدوره.

الثانية : أنّ حركة الأعضاء على هذا فعل متولّد مع أنّه من الأفعال المباشرية عند الحكماء والأُصوليين ، وما هذا لأنّ الاعتماد والميل ليس عندهم فعلاً.

٣ ـ عرّفوا المخترع بما يفعل لا لمحل. ومثاله الأجسام وبل خلق السماوات والأرض.

ويُنقض الحصر بالأعراض ، فإنّها ليست من الأقسام الثلاثة ، إلّا أن يدرج في المتولّد ، لأنّه الحادث بعد فعل وهو خلق الأجسام ، وعلى كل تقدير التقسيم مبني على حصر الأفعال بالمادة والماديات ، مع أنّه أعم منها ومن المجرّدات التي غفل عنه المتكلمون غير الواعين منهم.

ثمّ إنّ الفعل المباشر وقع مثاراً للبحث وأنّه فعل اختياري أو لا ، ويتلوه في هذا النزاع : المتولد ، فاختاره الماتن أنّه منسوب إلى الإنسان ، فهو أيضاً فعل اختياري ، فعلم أنّ

__________________

(١) الحدود : المعجم الموضوعي للمصطلحات الكلامية : ٣٦ ، ولاحظ شرح المقاصد : ٢ / ٢٤٤.

والثالث : ما يفعل لا لمحل ، فالأوّل مختص بنا ، والثالث مختص به تعالى والثاني مشترك.

واعلم أنّ الناس اختلفوا في المتولد هل يقع بنا أم لا ، فجمهور المعتزلة

__________________

طرح هذا التقسيم في المقام لأجل تبيين حكمه من حيث الجبر والاختيار وقد ذكر الشارح في المتولد أقوالاً :

١ ـ خيرة جمهور المعتزلة وهو مختار الماتن.

٢ ـ ما اختاره معمر بن عباد السلمي المتوفى عام ٢١٥ ه‍ خريج مدرسة الاعتزال في البصرة ، وقد نقل الشهرستاني منه ما يلي : «إنّ الله تعالى لم يخلق شيئاً غير الأجسام فأمّا الأعراض فانّها من اختراعات الأجسام إمّا طبعاً كالنار التي تحدث الإحراق ، وإمّا اختياراً كالحيوان الذي يحدث الحركة والسكون والاجتماع والافتراق» (١). وهو قريب ممّا ذكره الشارح.

٣ ـ ما قالته عدّة من المعتزلة وهو : لا فعلَ للعبد إلّا الفكر ، ويفارق القول الثاني بأنّ الفكر أعم من الإرادة ، وطبع الحال يقتضي أنّه يُسندُ الباقيَ إلى المحل طبعاً أو اختياراً.

٤ ـ ما ذهب إليه أبو إسحاق النظام (وهو إبراهيم بن سيار المعتزلي) (١٦٠ ـ ٢٣٢ ه‍) وهو جعل فعل الانسان نفس الحركات الحادثة فيه حسب دواعيه ، والإرادة والاعتقادات حركات القلب (أي مظاهر لحركته) والأفعال المنفصلة كالكتابة فعل الله عن طريق طبع المحل. وعقيدته في الروح ما هو ذكره الشهرستاني عنه : انّ الروح جسم لطيف مشابك للبدن مداخل للقلب بأجزائه مداخلة المائية في الورد ، والدهنية في السمسم (٢) وبذلك يظهر معنى قوله «منساب» فإنّه من ساب الماء : أي جرى وفي بعض النسخ «سار» فالروح سارٍ في القلب سريان الماء في الورد.

٥ ـ قول ثمامة بن الأشرس المعتزلي المتوفى عام ٢٣٤ خريج مدرسة الاعتزال في بغداد ، وكلامه في المقام عجيب منه ، كيف يدعي انسان الهي ، وجودَ الفعل بلا فاعل.

__________________

(١) الشهرستاني : الملل والنحل : ١ / ٦٦ ط دار المعرفة بيروت. اقرأ آراءه فيها.

(٢) الشهرستاني : الملل والنحل : ١ / ٥٥ ط دار المعرفة بيروت. اقرأ آراءه فيها يزيدك ايضاحاً لعبارات الكتاب.

على أنّه من فعلنا كالمباشر.

وقال معمر : إنّه لا فعل للعبد إلّا الإرادة ، وما عداها من الحوادث فهي واقعة بطبع المحل ، والإنسان عنده جزء في القلب توجد فيه الإرادة وما عداها يضيفه إلى طبع المحل.

وقال آخرون : لا فعل للعبد إلّا الفكر ، وهم بعض المعتزلة.

وقال أبو إسحاق النظّام : إنّ فعل الإنسان هي الحركات الحادثة فيه بحسب دواعيه ، والإنسان عنده هو شيء منساب في الجملة ، والإرادة والاعتقادات حركات القلب ، وما يوجد منفصلاً عن الجملة كالكتابة وغيرها فإنّه من فعله تعالى بطبع المحل.

وقال ثمامة : إنّ فعل الإنسان هو ما يحدثه في محل قدرته ، فأمّا ما تعدّى محل القدرة فهو حادث لا محدث له وفعل لا فاعل له.

وقالت الأشعرية : المتولّد من فعله تعالى. والجماهير من المعتزلة التجئوا في هذا المقام إلى الضرورة فإنّا نعلم استناد المتولدات إلينا كالكتابة والحركات وغيرهما من الصنائع ويحسن منّا مدح الفاعل وذمّه كما في المباشر.

والمصنف رحمه‌الله استدلّ بحسن المدح والذمّ على العلم بأنّا فاعلون للمتولّد لا عليه (١) لأنّ الضروريات لا يجوز الاستدلال عليها ، نعم يجوز الاستدلال على كونها ضرورية إذا لم يكن هذا الحكم ضرورياً (٢).

__________________

(١) لم يستدل على أنّا فاعلون لأنّه أمر ضروري وإنّما استدل على العلم به ، والضمير في «عليه» يرجع إلى كوننا فاعلين.

(٢) لا يخفى أنّه إذا كان الشيء ضرورياً ، يكون العلم به كذلك ، نعم ربّما تعرض الغفلة ، فالاستدلال لأجل رفعها.

وجماعة من المعتزلة ذهبوا إلى أنّه كسبي (١) ، واستدلوا بحسن المدح والذم عليه ، فلزمهم الدور لأنّ حسن المدح والذم مشروط بالعلم بالاستناد إلينا فلو جعلنا الاستناد إلينا مستفاداً منه لزم الدور.

قال : والوجوب باختيار السبب لاحقٌ.

أقول : هذا جواب عن إشكال يورد هنا ، وهو أن يقال : إنّ المتولد لا يقع بقدرتنا لأنّ المقدور هو الذي يصح وجوده وعدمه عن القادر ، وهذا المعنى منفي في المتولد لأنّ عند اختيار السبب يجب المسبب فلا يقع بالقدرة المصححة.

والجواب : أنّ الوجوب في المسبب عند اختيار السبب وجوب لاحق كما أنّ الفعل يجب عند وجود القدرة والداعي ، وعند فرض وقوعه وجوباً لاحقاً لا يؤثر في الإمكان الذاتي والقدرة فكذا هنا.

قال : والذمُّ في إلقاء الصبيِّ عليه لا على الإحراق.

أقول : هذا جواب عن شبهة لهم ، وهي : أنّ المدح والذم لا يدلان على

__________________

(١) ذهبت جماعة من المعتزلة إلى أنّ كوننا فاعلين أمر نظري كسبي يحتاج إلى إقامة البرهان ، واستدلوا بحسن المدح والذم ، على المتولّد ، على كون الإنسان فاعلاً له ، وأورد عليه الشارح بالدور ، لأنّ إحراز كوننا فاعلين متوقف على حسن المدح والذم ، وحسن المدح والذم متوقف على ذلك الإحراز. وبذلك يعلم أنّ لفظ العلم في قوله : «مشروط بالعلم» ليس زائداً ، إذ ليس الاستناد بما هو هو موقوفاً على حسن المدح والذم بل إحرازه موقوف عليهما ، وأمّا قوله : «فلو جعلنا الاستناد» فالمراد منه «العلم بالاستناد» والصدر قرينة على التصرف في الذيل لا العكس ، وبذلك يعلم ورود الدور على الماتن أيضاً حيث استدل بحسن المدح والذم على العلم بأنّا فاعلون ، وهو عبارة أُخرى عن العلم بالاستناد إلينا في كلام المعتزلة.

العلم باستناد المتولد إلينا ، فإنّا نذم على المتولّد وإن علمنا استناده إلى غيرنا ، فإنّا نذمّ من ألقى الصبي في النار إذا احترق بها وإن كان المحرق هو الله تعالى.

والجواب : أنّ الذم هنا على الإلقاء لا على الإحراق فإنّ الإحراق من الله تعالى عند الإلقاء حسن لما يشتمل عليه من الأعواض لذلك الصبي ولما فيه من مراعاة العادات وعدم انتقاضها في غير زمان الأنبياء ، ووجوب الدية حكم شرعي (١) لا يجب تخصيصه بالفعل فإنّ الحافر للبئر يلزمه الدية وإن كان الوقوع غير مستند إليه.

المسألة الثامنة : في القضاء والقدر (٢)

قال : والقضاء والقدرُ إن أُريد بهما خلقُ الفعل لزم المحالُ ، أو الإلزامُ صحَّ في الواجب خاصةً ، أو الإعلامُ صحَّ مطلقاً ، وقد بيَّنه أميرُ المؤمنين عليه‌السلام في حديث الأصبغ(٣).

أقول : يطلق القضاء على الخلق والإتمام ، قال الله تعالى : ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٤) أي خلقهن وأتمهن.

__________________

(١) جواب عن سؤال مقدّر ، وهو أنّه إذا انحصر عمل الإنسان بالإلقاء ، وكان الإحراق عملَه سبحانه فلما ذا وجبت الدية على الملقي دون المحرِق؟ فأجاب بأنّه حكم تعبّدي فتأمّل.

(٢) لما كانت مسألة القضاء والقدر كالهداية والضلالة من أدلة القول بالجبر ، حاول الإجابة عنها في المسألتين : الثامنة ، والتاسعة ، وقد ذكر في المقام للقضاء معاني مختلفة ، والحق أنّ له معنىً واحداً وهو الفعل الصادر عن إتقان ، والمعاني الأُخر صور لهذا المعنى الأصيل ، وقد أوضحناه في رسالتنا في القضاء والقدر.

(٣) الكافي : ١ / ١٥٥ ، وراجع الأسفار : ٦ / ٤٠٢ ـ ٤١٣.

(٤) فصّلت : ١٢.