درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۴۰: وجوب یا عدم وجوب تکلیف

 

المسألة الحادية عشرة : في حسن التكليف وبيان ماهيته ووجه حسنه وجملة من أحكامه

قال : والتكليف حسنٌ لاشتماله على مصلحة لا تحصل بدونه.

أقول : التكليف مأخوذ من الكلفة ، وهي المشقة. وحدّه إرادة من تجب طاعته على جهة الابتداء ما فيه مشقة بشرط الإعلام ، ويدخل تحت واجب الطاعة الواجب تعالى والنبي عليه‌السلام والإمام والسيّد والوالد والمنعم ، ويخرج البواقي.

وشرطنا الابتداء لأن إرادة هؤلاء إنّما تكون تكليفاً إذا لم يسبقه غيره إلى إرادة ما أراده ، ولهذا لا يسمى الوالد مكلّفاً بأمر الصلاة ولده لسبق إرادة الله تعالى لها منه.

والمشقة لا بدّ من اعتبارها ليتحقق المحدود ، إذ التكليف مأخوذ من الكلفة.

وشرطنا الإعلام لأنّ المكلّف إذا لم يعلم إرادة المكلّف بالفعل لم يكن مكلّفاً.

إذا عرفت هذا فنقول : التكليف حسن لأنّ الله تعالى فعله والله تعالى لا يفعل القبيح ، ووجه حسنه اشتماله على مصلحة لا تحصل بدونه ، وهي التعريض لمنافع عظيمة لا تحصل بدون التكليف ، لأنّ التكليف إن لم يكن لغرض كان عبثاً وهو محال ، وإن كان لغرض فإن كان عائداً إليه تعالى لزم المحال ، وإن كان إلى غيره فإن كان إلى غير المكلّف كان قبيحاً ، وإن كان إلى المكلّف فإن كان حصوله ممكناً بدون التكليف لزم العبث ، وإن لم يمكن فإن

كان لنفع انتقض بتكليف من علم الله كفره وإن كان للتعريض فهو المطلوب.

إذا عرفت هذا فنقول : الغرض من التكليف هو التعريض لمنفعة عظيمة لأنّه تعريض للثواب ، وللثواب منافع عظيمة خالصة دائمة واصلة مع التعظيم والمدح ولا شك أنّ التعظيم إنّما يحسن للمستحق له ولهذا يقبح منّا تعظيم الأطفال والأرذال كتعظيم العلماء وإنّما يستحق التعظيم بواسطة الأفعال الحسنة وهي الطاعات.

ومعنى قولنا إنّ التكليف تعريض للثواب أنّ المكلّف جعل المكلَّف على الصفات التي تمكنه الوصول إلى الثواب وبعثه على ما به يصل إليه وعلم أنّه سيوصله إليه إذا فعل ما كلّفه.

قال : بخلاف الجرح ثمّ التداوي ، والمعاوضاتُ والشكرُ باطلٌ.

أقول : هذه إيرادات على ما اختاره المصنف :

الأوّل : أنّ التكليف للنفع يتنزل منزلة من جرح غيره ثمّ داراه طلباً للدواء ، وكما أنّ ذلك قبيح فكذا التكليف.

الثاني : أن التكليف طلباً للنفع يتنزل منزلة المعاوضات كالبيوع والإجارات وغيرها ، ولا شك أنّ المعاوضات تفتقر إلى رضا المتعاوضين حتى أنّ من عاوض بغير إذن صاحبه فعل قبيحاً ، والتكليف عندكم لا يشترط فيه رضا المكلف.

الثالث : لم لا يجوز أن يكون التكليف شكراً للنعم السابقة؟

والجواب عن الأوّل : بالفرق من الوجهين :

أحدهما : أنّ الجرح مضرة والتكليف نفسه ليس بمضرة وإنما المشقة في الأفعال التي يتناولها التكليف.

الثاني : أنّ الجرح والتداوي إنزال مضرة لا غرض فيه إلّا التخلص من تلك المضرة بخلاف التكليف.

وعن الثاني : أنّ المراضاة تعتبر في المعاوضات لاختلاف أغراض الناس في التعامل جنساً ووصفاً أما إذا لم يكن هناك معاوضة وبلغ النفع حدّاً يكون غاية ما يطلبه العقلاء لم يختلف العقلاء في اختيار المشقة بسببه حتى أن العقلاء يسفهون الممتنع منه.

وعن الثالث : انّ الشكر لا يشترط فيه المشقة والله تعالى قادر على إزالة صفة المشقة عن هذه الأفعال ، فلو كان التكليف شكراً لزم العبث في صفة المشقة ولأن طلب الفعل الشاق شكراً يخرج النعمة عن كونها نعمة.

قال : ولأنَّ النوعَ محتاجٌ إلى التعاضُدِ المستلزمِ للسنةِ النافعِ استعمالُها في الرياضة وإدامةِ النظر في الأُمور العالية ، وتَذكُّرِ الإنذارات المستلزمةِ لإقامة العدل مع زيادة الأجر والثواب.

أقول : لما ذكر المصنف رحمه‌الله حسن التكليف على رأي المتكلمين شرع في طريق الإسلاميين من الفلاسفة ، فبدأ بذكر الحاجة إلى التكليف ، ثمّ ذكر منافعه الدنيوية والأخروية.

وتحقيقه أن نقول : إنّ الله خلق الإنسان مدنياً بالطبع (١) لا كغيره من

__________________

(١) هذا البرهان مركب من أُمور :

١ ـ بقاء النوع (الإنسان) ببقاء الأشخاص أمر حسن.

٢ ـ لا تحصل تلك الغاية إلّا بالتعاضد والتعاون.

الحيوانات ، لا يمكن أن تبقى أشخاصه ولا تحصل لهم كمالاتهم إلّا بالتعاضد

__________________

٣ ـ أنّ الحياة الجماعية ، مظنَّة التنازع.

٤ ـ لا محيص في رفعه من وضع قانون وسنّة عادلة.

٥ ـ لو اشترك الناس كلّهم في وضع القانون عاد التنازع فلا بد أن يكون مستنداً إلى شخص متميز عنهم بكمال قواه.

٦ ـ التعرف على ذلك الشخص يتحقق بمعجزات تدل على أنّها (السنّة) من عند الله.

٧ ـ الناس مختلفون في قبول الخير والشر حسب اختلاف أمزجتهم. فوجب أن يكون هذا الشارع (النبي) مؤيّداً بالبرهان ، والوعظ ، و...

٨ ـ بما أنّ النبيّ لا يتفق في كلّ زمان ، لكن وجب بقاء الشريعة إلى وقت اضمحلالها ، ففرضت عليهم العبادات وفيها منافع ثلاث

يلاحظ عليه : أوّلاً : أنّ فرض كون الإنسان مدنياً بالطبع ، يغني عن الأمر الثاني لأنّه صورة عملية للأوّل ، ثمّ هل الإنسان مدنيّ بالطبع كما عليه الحكماء الأقدمون ، أو هو مسخِّر بالطبع ، أي يسخِّر غيره لقضاء حوائجه كما عليه العلّامة الطباطبائي في بعض رسائله ولعلّه إلى هذا يشير قوله سبحانه : ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف : ٣٢) ، أو هو موجود محاسِب يحاسب خيره وشره ونفعه وضره فيختار أقل الطرق ضرراً وأكثرها نفعاً وهو التعايش الاجتماعي ، فالحياة الاجتماعية وليد فكرته الحاسبة لا فطرته عن لا وعي ، هذه هي الأنظار المطروحة في المقام.

ثانياً : يظهر من الشارح أنَّ النبي شارع مع أنّ الشارع بحكم التوحيد في التقنين هو الله سبحانه والنبي الأكرم هو المبشّر والمنذرُ الحامل لرسالات الله ونذره.

وثالثاً : أنّ المهم في البرهان هو التركيز على شرائط المقنِّن وأنّه لا بد أن يكون موجوداً كاملاً عارفاً بالإنسان بعامة خصوصياته وغرائزه الطبيعية ، وما يفيده وما يضره ويصده عن الكمال ، وأن يكون منسلخاً عن كل نفع وضرر فيما يضع ويسنّ ، وألّا يتأثر عن لا وعي فيقدم منافعه على منافع الغير وليس المقنّن بهذه الأوصاف إلّا الله سبحانه.

وعلى ضوء ذلك فأكثر ما ذكره أخيراً لا حاجة إليه.

والتعاون ، لأن الأغذية والملبوسات أُمور صناعية يحتاج كل منهم إلى صاحبه في عمل يستعيضه عن عمله له حتى يتمّ كمال ما يحتاج إليه ، واجتماعهم مع تباين شهواتهم وتغاير أمزجتهم واختلاف قواهم المقتضية للأفعال الصادرة عنهم مظنة التنازع والفساد ووقوع الفتن ، فوجب وضع قانون وسنّة عادلة يتعادلون بها فيما بينهم.

ثمّ تلك السنّة لو استند وضعها إليهم لزم المحذور ، فوجب استنادها إلى شخص متميز عنهم بكمال قواه واستحقاقه للانقياد إليه والطاعة له ، وذلك إنما يكون بمعجزات تدل على أنّها من عند الله تعالى.

ثمّ من المعلوم تفاوت أشخاص الناس في قبول الخير والشر والرذائل والنقصان والفضائل بحسب اختلاف أمزجتهم وهيئات نفوسهم ، فوجب أن يكون هذا الشارع مؤيَّداً لا يعجز عن إحكام شريعته في جمهور الناس بعضهم بالبرهان وبعضهم بالوعظ وبعضهم بتأليف القلب وبعضهم بالزجر والقتال.

ولما كان النبي لا يتفق في كل زمان وجب أن تبقى السنن المشروعة إلى وقت اضمحلالها واقتضاء الحكمة الإلهية تجديد غيرها ، ففرضت عليهم العبادات المذكرة لصاحب الشرع وكررت عليهم حتى يستحكم التذكير بالتكرير ، فيحصل لهم من تلقي الأوامر والنواهي الالهية منافع ثلاث :

إحداها : رياضة النفس باعتبار الإمساك عن الشهوات ومنعها عن القوة الغضبية المكدرة لصفاء القوة العقلية.

الثانية : تعويد النفس النظر في الأُمور الإلهية والمطالب العالية وأحوال المعاد والتفكر في ملكوت الله تعالى وكيفية صفاته وأسمائه وتحقق فيضان الموجودات عنه تعالى متسلسلة في الترتيب الذي اقتضته الحكمة الإلهية

بالبراهين القطعية الخالية عن المغالطة.

والثالثة : تذكرهم ما وعدهم الشارع من الخير والشر الأخرويين بحيث ينحفظ النظام المقتضي للتعادل والترافد ، ثمّ زاد الله تعالى لمستعملي الشرائع الأجر والثواب في الآخرة ، فهذه مصالح التكليف عند الأوائل.

قال : وواجبٌ لِزَجْرِه عن القبائح.

أقول : هذا مذهب المعتزلة ، وأنكرت الأشاعرة ذلك ، والدليل على وجوب التكليف أنّه لو لم يكلف الله تعالى من كملت شرائط التكليف فيه لكان مغرياً بالقبيح ، والتالي باطل لقبحه فالمقدم مثله.

بيان الشرطية : أنّ الله تعالى إذا أكمل عقل الانسان وجعل فيه ميلاً إلى القبيح وشهوة له ونفوراً عن الحسن فلو لم يقرر في عقله وجوب الواجب وقبح القبيح والمؤاخذة على الإخلال بالواجب وفعل القبيح لكان وقوع القبيح من المكلف دائماً ، وإلى هذا أشار بقوله : لزجره عن القبائح ، أي لزجر التكليف عن القبائح.

قال : وشرائطُ حسنِهِ انتفاءُ المفسدة وتقدُّمهُ وإمكانُ متعلقه وثبوتُ صفةٍ زائدة على حسنه وعلمُ المكلّف بصفات الفعل وقدر المستحق وقدرتُه عليه وامتناعُ القبيح عليه وقدرةُ المكلَّف على الفعل وعلمُه به أو إمكانُه وإمكانُ الآلة.

أقول : لما ذكر أنّ التكليف حسنٌ شرع في بيان ما يشترط في حسن التكليف ، وقد ذكر أُموراً لا يحسن التكليف بدونها (١) ، منها ما يرجع إلى نفس

__________________

(١) أقول : التكليف من الأُمور ذات الإضافة له إضافة إلى المكلّف وإلى المكلَّف وإلى المكلَّف به ، وبوجه له إضافة إلى نفسه ، فذكر الشارح ما يرجع إلى كل واحد.