درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۴۸: مسأله عوض

 

قال : ولا يشترط في الحسن اختيارُ المتألِّم بالفعل.

أقول : لا يشترط في حسن الألم المفعول ابتداء من الله تعالى اختيار المتألم للعوض الزائد عليه بالفعل ، لأن اعتبار الاختيار (١) إنّما يكون في النفع الذي يتفاوت فيه اختيار المتألمين فأمّا النفع البالغ إلى حدّ لا يجوز اختلاف الاختيار فيه فإنّه يحسن وإن لم يحصل الاختيار بالفعل وهذا هو العوض المستحق عليه تعالى.

المسألة الرابعة عشرة : في الأعواض

قال : والعوضُ نفع مستحق خالٍ عن تعظيم وإجلال.

أقول : لما ذكر حسن الألم المبتدأ مع تعقبه بالعوض الزائد وجب عليه البحث عن العوض وأحكامه ، وبدأ بتحديده ، فالنفع جنس للمتفضل به وللمستحق ، وقيد المستحق فصل يميزه عن النفع المتفضل به ، وقيد الخلوّ عن التعظيم والإجلال يخرج به الثواب.

قال : ويستحق عليه تعالى بإنزالِ الآلام وتفويت المنافع لمصلحة الغير وإنزال الغموم ، سواءٌ استندت إلى علم ضروري أو مكتسبٍ أو ظن ، لا ما تستند إلى فعل العبد وأمرِ عباده بالمضار أو إباحتِه وتمكين غير العاقل.

__________________

(١) يريد أنّ الاختيار إنّما يعتبر إذا كان للنفع درجات وتعلّقت إرادة المعطي بالدرجة النازلة ، والمتألم بالدرجة العالية ، وأمّا إذا تعلقت إرادته من بدء الأمر بالدرجة العليا التي ليست وراءها درجة فلا معنى لاشتراط الاختيار.

أقول : هذه الوجوه التي يستحق بها العوض على الله تعالى :

الأوّل : إنزال الآلام بالعبد كالمرض وغيره ، وقد سبق بيان وجوب العوض به من حيث اشتماله على الظلم لو لم يجب العوض.

الثاني : تفويت المنافع إذا كانت منه تعالى لمصلحة الغير ، لأنّه لا فرق بين تفويت المنافع وإنزال المضارّ ، فلو أمات الله تعالى ابناً لزيد وكان في معلومه تعالى أنّه لو عاش لانتفع به زيد لاستحق عليه تعالى العوض عما فاته من منافع ولده ، ولو كان في معلومه تعالى عدم انتفاعه به لأنّه يموت قبل الانتفاع به لم يستحق به عوضاً لعدم تفويته المنفعة منه تعالى.

وكذلك لو أهلك ماله استحق العوض بذلك سواء شعر بهلاك ماله أو لم يشعر (١) لأن تفويت المنفعة كإنزال الألم ، ولو آلمَهُ ولم يشعر به لاستحق العوض فكذا إذا فوّت عليه منفعة لم يشعر بها ، وعندي في هذا الوجه نظر.

الثالث : إنزال الغموم ، بأن يفعل الله تعالى أسباب الغمّ ، لأن الغم يجري مجرى الضرر في العقل ، سواء كان الغم علماً ضرورياً بنزول مصيبة أو وصول ألم أو كان ظناً بأن يغتم عند أمارة لوصول مضرة أو فوات منفعة أو كان علماً مكتسباً ، لأنّ الله تعالى هو الناصب للدليل والباعث على النظر فيه

__________________

(١) هنا سؤال ، وهو أنّه ما الفرق بين إهلاك المال حيث يلزم فيه التعويض ، شَعَرَ صاحب المال بالإهلاك أم لا ، وبين إنزال الغموم حيث اشترط الشارح فيه الشعور وقال : «نحو أن يهلك له مالاً وهو لا يشعر به إلى أن يموت فإنّه لا يستحق العوض عليه تعالى».

والجواب وجود الفرق بينهما ، وهو اختلاف الحيثية ، فإنّ ملاك البحث في الأوّل هو تفويت المنافع أو الإضرار بالأموال ، وهو أمر واقعي يستلزم العوض ، شعر بذلك أم لم يشعر ، بخلاف ملاكه في الثاني فإنّ انزال الغموم ـ وإن كان لأجل إهلاك المال ـ أمر نفسي متوقف على الشعور والعلم ، ولولاهما لما كان هناك موضوع للغم ، وعلى ضوء ذلك ففي مورد واحد ربّما يجب العوض من جهة ولا يجب من جهة أُخرى ، فاغتنم.

وكذا هو الناصب لأمارة الظن ، فلما كان سبب الغم منه تعالى كان العوض عليه.

وأمّا الغمّ الحاصل من العبد نفسه من غير سبب منه تعالى ، نحو أن يبحث العبد فيعتقد جهلاً نزول ضرر به أو فوات منفعةٍ ، فإنّه لا عوض فيه عليه تعالى ، ولو فعل به تعالى فعلاً لو شعر به لاغتم نحو أن يهلك له مالاً وهو لا يشعر به إلى أن يموت فإنّه لا يستحق العوض عليه تعالى لأنّه إذا لم يشعر به لم يغتم به.

الرابع : أمر الله تعالى عباده بإيلام الحيوان أو إباحته ، سواء كان الأمر للإيجاب كالذبح في الهدي والكفارة والنذر ، أو للندب كالضحايا ، فإن العوض في ذلك كله على الله تعالى ، لاستلزام الأمر والإباحة الحُسْنَ ، والألم إنّما يحسن إذا اشتمل على المنافع العظيمة البالغة في العظم حداً يحسن الألم لأجله.

الخامس : تمكين غير العاقل ، مثل سباع الوحش وسباع الطير والهوام ، وقد اختلف أهل العدل هنا على أربعة أقوال :

فذهب بعضهم إلى أنّ العوض على الله تعالى مطلقاً ، ويعزى هذا القول الى أبي علي الجُبّائي.

وقال آخرون : إنّ العوض على فاعل الألم ، وهو قول يحكى عن أبي علي أيضاً.

وقال آخرون : لا عوض هنا على الله تعالى ولا على الحيوان.

وقال قاضي القضاة : إن كان الحيوان مُلجأ إلى الإيلام كان العوض عليه تعالى ، وإن لم يكن ملجأ كان العوض على الحيوان نفسه.

احتج الأوّلون : بأنّه تعالى مكّنه وجعل فيه ميلاً شديداً إلى الإيلام مع