درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۴۷: شروط آلام ابتدای (صورت دوم و سوم)

 

قال : ويجوز في المستحق كونُه عقاباً.

أقول : هذا مذهب أبي الحسين البصري ، فإنّه جوّز أن تقع الأمراض في الكفّار والفسّاق عقاباً للكافر والفاسق لأنّه ألم واصل إلى المستحق فأمكن أن يكون عقاباً ، ويكون تعجيله قد اشتمل على مصلحة لبعض المكلفين كما في الحدود.

ومنع قاضي القضاة من ذلك وجزم بكون أمراضهم محناً لا عقوبات لأنّه يجب عليهم الرضا والصبر عليها والتسليم وترك الجزع ولا يلزمهم ذلك في العقاب.

والجواب : المنع من عدم اللزوم في العقاب لأن الرضا يطلق على معنيين :

أحدهما : الاعتقاد لحسن الفعل ، وهو مشترك بين العقاب والمحنة.

والثاني : موافقة الفعل للشهوة ، وهذا غير مقدور للعبد فلا يجب في المحنة ولا في العقاب ، وإذا كان الرضا بالمعنى الأول واجباً في العقاب فكذلك الصبر على ذلك الاعتقاد واجب بأن لا يظهر خلاف الرضا وهو الجزع ، ويجب أيضاً التسليم بأن يعتقد أنّه لو تمكن من دفع المرض الذي هو مصلحة له لا يدفعه ولا يمتنع منه.

قال : ولا يكفي اللطفُ في ألم المكلف في الحُسن. (١)

أقول : هذا مذهب الشيخين وقاضي القضاة ، وجوّز بعض المشايخ

__________________

(١) الفرق بين هذه المسألة وما تقدم من قوله : «ولا بد في المشتمل على النفع من اللطف» الذي اختلف فيه الشيخان هناك ولكن اتفقا في المقام ، هو أنّ البحث فيما تقدم كان مركَّزاً ـ

إدخال الألم على المكلف إذا اشتمل على اللطف والاعتبار وإن لم يحصل في مقابلته عوض ، لأنّ الألم كما يحسن لنفع يقابله فكذا يحسن لما يؤدّي إليه الألم ، ولهذا حسن منّا تحمّل مشاقّ السفر لربح يقابل السلعة ولا يقابل مشاق السفر ، ولمّا كان مشاق السفر علة في حصول الربح المقابل للسلعة فكذا الألم الذي هو لطف لولاه لما حصل الثواب المقابل للطاعة فحسن فعله وإن خلا عن العوض لأدائه إلى النفع.

وحجة الأوائل أنّ الألم غير المستحق لو لا اشتماله على النفع أو دفع الضرر كان قبيحاً ، والطاعة المفعولة لأجل الألم (١) ليست بنفع ، والثواب المستحق عليها يقابل الطاعة دون الألم ، فيبقى الألم مجرداً عن النفع وذلك قبيح.

__________________

ـ على أنّ مجرّد العوض كاف في الألم الابتدائي أو لا بد من ضم أمر آخر كاللطف ليخرج عن العبث ، فقال أبو علي بالأوّل وأبو هاشم بالثاني ، وأمّا المقام فالبحث مركّز على أنّ مجرّد اللطف كاف في الألم الابتدائي وإن لم يرجع نفع إلى المولِم أولا. وقد مثل القائلون بالجواز بالسفر الشاق إذا باع سلعته فيه بقيمة غالية ، فهناك أُمور ثلاثة : ١ ـ السفر الشاق وليس في مقابله شيء. ٢ ـ بيع السلعة. ٣ ـ الربح الذي هو في مقابل السلعة ، مثل المقام ، فإنّ فيه أُموراً ثلاثة : الإيلام ، الطاعة ، الثواب.

(١) حاصله : أنّ مجرّد اللطف لا يكفي في الألم الابتدائي ، وذلك لأنّ الألم ينتهي إلى الطاعة وهي تلازم الثواب ، فالثواب في مقابل الطاعة ، ولا يكون في مقابل الألم شيء ، وفي المقام أُمور ثلاثة (الألم ، الطاعة ، والثواب).

ولكن الحق أن يقال : إن كان الألم في طريق طاعة المتألم أو داعياً إليها ، فالظاهر كفاية اللطف ، لأنّه هو المؤثر في الطاعة المستلزمة للثواب ، وكون الثواب لمجرّد الطاعة لا يضر ، إذ لو لا اللطف بالألم ، ما كانت هناك طاعة ولم يترتب ثواب.

قال : ولا يحسُنُ مع اشتمال اللذة على لطفيّته.

أقول : هذا مذهب أبي الحسين البصري (١) خلافاً لأبي هاشم.

وتقرير مذهب أبي هاشم : أنّا لو فرضنا اشتمال اللذة على اللطف الذي اشتمل عليه الألم هل يحسن منه تعالى فعل الألم بالحي لأجل لطف الغير (٢) مع العوض الزائد الذي يختاره المتألم لو عرض عليه؟ قال أبو هاشم : نعم لأن الألم المشتمل على المنفعة الموفية في حكم المنفعة عند العقلاء ، ولهذا لا يعدّ العقلاء مشاق السفر الموصلة إلى الأرباح مضارّاً ، وإذا كان الألم في حكم المنفعة صار حصول اللطف في تقدير (٣) منفعتين فيتخيّر الحكيم في أيّهما شاء.

وأبو الحسين منع ذلك ، لأن الألم إنّما يصير في حكم المنفعة إذا لم يكن طريق لتلك المنفعة إلّا ذلك الألم ، ولو أمكن الوصول إلى تلك المنفعة بدون ذلك الألم كان ذلك الألم ضرراً وعبثاً ، ولهذا يعد العقلاء السفر ضرراً مع حصول الربح بدونه.

__________________

(١) لو كان هناك سببان للّطف : اللذة والألم ، والأوّل يشتمل على اللطف فقط ، والثاني يشتمل عليه وعلى الألم مع العوض (النفع) فهل يجوز له سبحانه الإيلام مع إمكان السبب الأوّل ، كما عليه أبو هاشم ، أو لا يجوز كما عليه أبو الحسين؟

(٢) الظاهر عدم الحاجة إلى كلمة الغير لو لم تكن مضرة ، لأنّ الظاهر أنّ الكلام في الألم الابتدائي وكونه لطفاً في حق المتألم نفسه دون الغير.

(٣) الألم سبب لأمرين : اللطف والمنفعة المفروضة في الألم (العوض) ، واللذة مشتملة على اللطف فقط والحكيم مخيّر بينهما.

قال : ولا يشترط في الحسن اختيارُ المتألِّم بالفعل.

أقول : لا يشترط في حسن الألم المفعول ابتداء من الله تعالى اختيار المتألم للعوض الزائد عليه بالفعل ، لأن اعتبار الاختيار (١) إنّما يكون في النفع الذي يتفاوت فيه اختيار المتألمين فأمّا النفع البالغ إلى حدّ لا يجوز اختلاف الاختيار فيه فإنّه يحسن وإن لم يحصل الاختيار بالفعل وهذا هو العوض المستحق عليه تعالى.

المسألة الرابعة عشرة : في الأعواض

قال : والعوضُ نفع مستحق خالٍ عن تعظيم وإجلال.

أقول : لما ذكر حسن الألم المبتدأ مع تعقبه بالعوض الزائد وجب عليه البحث عن العوض وأحكامه ، وبدأ بتحديده ، فالنفع جنس للمتفضل به وللمستحق ، وقيد المستحق فصل يميزه عن النفع المتفضل به ، وقيد الخلوّ عن التعظيم والإجلال يخرج به الثواب.

قال : ويستحق عليه تعالى بإنزالِ الآلام وتفويت المنافع لمصلحة الغير وإنزال الغموم ، سواءٌ استندت إلى علم ضروري أو مكتسبٍ أو ظن ، لا ما تستند إلى فعل العبد وأمرِ عباده بالمضار أو إباحتِه وتمكين غير العاقل.

__________________

(١) يريد أنّ الاختيار إنّما يعتبر إذا كان للنفع درجات وتعلّقت إرادة المعطي بالدرجة النازلة ، والمتألم بالدرجة العالية ، وأمّا إذا تعلقت إرادته من بدء الأمر بالدرجة العليا التي ليست وراءها درجة فلا معنى لاشتراط الاختيار.