درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۴۶: مسأله شرور

 

أقول : في هذا الكلام مباحث :

الأوّل : في مناسبة هذا البحث وما بعده لما قبله.

اعلم أنّا قد بيّنا وجوب الألطاف والمصالح ، وهي ضربان : مصالح في الدين ، ومصالح في الدنيا ، أعني المنافع الدنياوية ، ومصالح الدين إمّا مضارّ أو منافع ؛ والمضارّ منها آلام وأمراض وغيرها كالآجال والغلاء ، والمنافع الصحة والسعة في الرزق والرخص ، فلأجل هذا بحث المصنف رحمه‌الله عقيب

__________________

٤ ـ ما كان على وفق سنّة الله سبحانه ، كإحراق النار لمن أُلقي فيها ظلماً أو غير ظلم ، فإنّ إحراق النار وإن كان بالنسبة إلى الملقى فيها شراً لكن الإحراق بما هو لا قبح فيه فإنّها سنّة قام عليها صرح الحياة الانسانية. نعم في إمكانه سبحانه سلب الأثر عنها في هذه الموارد ، ولكن الاستثناء في السنن (في غير مورد الإعجاز والكرامة) مستلزم للإلجاء في الإيمان ، وانتفاء الاختيار والاختبار ، وذلك لأنّ سلب الأثر عن النار عند إحراق المؤمن ليقف عند حدّ بل يستلزم سلب الأثر عن السيف عند وروده على رأس المظلوم وهكذا ... ، ولازم ذلك خروج الحياة الدنيوية عن كونها دنيوية ، لأنّ معناها كون الحياة مبنية على السنن الطبيعية وهو خلاف المفروض ، وبالجملة : افتراض كون العالم ماديّاً يلازم سيادة القوانين المادية عليها ، إلّا إذا اقتضت المصلحة العامة خلافها كما في مورد الاعجاز.

وهناك من يقول ليس للألم إلّا قسم واحد ، وهو الألم لغاية استحقاق المولم ، وقالت به طائفتان :

التناسخية : وهم الذين يقولون لا دار إلّا هذه الدنيا وأنّ الإنسان بعد الموت يرجع إلى هذه الدار ويرى جزاء عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، وأنّ أصحاب العاهات والزمنى والفقراء هم الذين عاشوا في هذه الدنيا في دورة متقدمة ، ظالمة ، فرجعوا إلى الدنيا في هذه الدورة ليروا جزاء أعمالهم.

البكرية : أصحاب بكر بن زياد الذي كان معاصراً لواصل بن عطاء (٨٠ ـ ١٣٠ ه‍) وصفوان بن الجهم ت ١٢٨ ه‍.

اللطف عن هذه الأشياء ، ولما كانت الآلام تستلزم الأعواض وجب البحث عنها أيضاً.

البحث الثاني : اختلف الناس في قبح الألم وحسنه ، فذهبت الثنوية إلى قبح جميع الآلام ، وذهبت المجبرة إلى حسن جميعها من الله تعالى ، وذهبت البكرية وأهل التناسخ والعدلية إلى حسن بعضها وقبح الباقي.

البحث الثالث : في علّة الحسن ، اختلف القائلون بحسن بعض الألم في وجه الحسن :

فقال أهل التناسخ : إنّ علة الحسن هي الاستحقاق لا غير ، لأنّ النفوس البشرية إذا كانت في أبدان قبل هذه الأبدان وفعلت ذنوباً استحقت الألم عليها ، وهذا أيضاً قول البكرية.

وقالت المعتزلة أنّه يحسن عند شروط :

أحدها : أن يكون مستحقاً.

وثانيها : أن يكون فيها نفع عظيم يوفى عليها.

وثالثها : أن يكون فيها دفع ضرر أعظم منها.

ورابعها : أن يكون مفعولاً على مجرى العادة ، كما يفعله الله تعالى بالحيّ إذا ألقيناه في النار.

وخامسها : أن يكون مفعولاً على سبيل الدفع عن النفس ، كما إذا آلمنا من يقصد قتلنا ، لأنّا متى علمنا اشتمال الألم على أحد هذه الوجوه حكمنا بحسنه قطعاً.

قال : ولا بد في المشتمِل على النفع من اللطف.

أقول : هذا شرط لحسن الألم المبتدأ الذي يفعله الله تعالى لاشتماله على

نفع المتألم ، وهو كونه مشتملاً على اللطف إمّا للمتألم أو لغيره ، لأن خلوّ الألم عن النفع الزائد الذي يختار المولم معه الألم يستلزم الظلم ، وخلوّه عن اللطف يستلزم العبث وهما قبيحان فلا بد من هذين الاعتبارين في هذا النوع من الألم ، وهنا اختلف الشيخان (١) :

فقال أبو علي : إنّ علة قبح الألم كونه ظلماً لا غير ، فلم يشترط هذا الشرط.

وقال أبو هاشم : إنّه يقبح لكونه ظلماً أو لكونه عبثاً ، فأوجب في الأمراض التي يفعلها الله تعالى في الصبيان مع الأعواض الزائدة اشتمالها على اللطف لمكلف آخر ، ولهذا يقبح منا تخليص الغريق بشرط كسر يده (٢) واستيجار من ينزح ماء البئر ويقذفه فيها لغير غرض مع توفية الأجرة.

ويمكن الجواب هنا لأبي علي بما ذكرناه في كتاب نهاية المرام.

__________________

(١) المراد أبو علي الجُبّائي وابنه أبو هاشم من شيوخ الاعتزال في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع ، واختلفت كلمتهم في الإيلام الابتدائي كآلام الأطفال ، فاكتفى الوالد في جوازه بعدمِ كونه ظلماً ، وهو يتحقق بالعوض يوم القيامة ، وذهب الولد بأنّ انتفاء الظلم غير كاف ما لم يشتمل على شيء زائد كالاعتبار واللطف وإلّا يلزم العبث ، وإلى اختلافهم أشار الشهرستاني بعبارة موجزة وقال : «اختلف أبو علي وأبو هاشم في نقل الألم للعوض ، فقال أبو علي : يجوز ذلك ابتداء لأجل العوض ، وعليه بنى آلام الأطفال ، وقال ابنه : إنّما يحسن ذلك بشرط العوض والاعتبار جميعاً».

(٢) فإنّ نجاته من الغرق وإن كان أكثر نفعاً من إيراد الضرر عليه بكسر يده ، لكن الكسر أيضاً قبيح ، ومثله المثال الثاني فإنّ اعطاء الأُجرة كاملة وإن كان يرفع الظلم لكنّه عمل عبث ، ولو كان الغرض الإحسان ، ففي وسعه ، دفعُه بلا طلب عمل.