درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۴۵: احکام لطف

 

قال : ولا بدّ من المناسبة وإلّا ترجح بلا مُرجِّح بالنسبة إلى المنتسبين.

أقول : لما فرغ من الاعتراضات على وجوب اللطف شرع في ذكر أحكامه ، وقد ذكر منها خمسة :

الأول : أنّه لا بدّ وأن يكون بين اللطف والملطوف فيه مناسبة.

والمراد بالمناسبة هنا كون اللطف بحيث يكون حصوله داعياً إلى حصول الملطوف فيه ، وهذا ظاهر ، لأنّه لو لا ذلك لم يكن كونه لطفاً أولى من كون غيره لطفاً ، فيلزم الترجيح من غير مرجح (١) ، ولم يكن كونه لطفاً في هذا

__________________

ـ كلاهما. وبذلك يظهر عدم صحة أمرين :

١ ـ الاستدلال بقوله سبحانه : ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً﴾ (طه : ١٣٤).

لأنّه خارج عن محط البحث ، إذ العلم بالتكليف من شرائط القدرة ، ولو لا إرسال الرسل لما وقف المكلّف على التكليف.

٢ ـ قوله : «لأنّ الذم حق مستحق على القبيح غير مختص بالمكلّف» ، وذلك لقبح ذم الجاهل بالتكليف المستند جهله إلى عدم بيان التكليف من جانب المولى.

ولعل كلام الماتن والشارح ناظر إلى المستقلات العقلية ، التي لا يتوقف العلم بالتكليف على ورود بيان من المولى ، ففيها يصح الذم دون التعذيب على تأمّل في التفكيك أيضاً إذا قلنا بالملازمة بين حكمي العقل والشرع.

(١) حاصله : أنّه إذا افترضنا أنّ الغنى والفقر كانا لطفاً في دعوة المكلّف إلى الصلاة ، فلو اختار سبحانه الأوّل يلزم الترجيح بلا مرجح.

ثمّ إذا لم تكن المناسبة معتبرة فلما ذا صار الغنى لطفاً في حق هذا الفعل (الصلاة) ولم يكن لطفاً في حق الفعل الآخر (الحج) وهو أيضاً ترجيح من غير مرجح ، فلا محيص عن اعتبار المناسبة ، ولعلّه إلى ذلك يشير قوله سبحانه : ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ

الفعل أولى من كونه لطفاً في غيره من الأفعال ، وهو ترجيح من غير مرجح أيضاً ، وإلى هذين أشار بقوله : وإلّا ترجح بلا مرجح بالنسبة إلى المنتسبين ، وعنى بالمنتسبين اللطف والملطوف فيه ، هذا ما فهمناه من هذا الكلام.

قال : ولا يبلغ الإلجاءَ.

أقول : هذا الحكم الثاني من أحكام اللطف ، وهو أن لا يبلغ في الدعاء

__________________

وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الأعراف : ١٦٨).

وقوله تعالى : ﴿فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (الأنعام : ٤٢).

ثمّ إنّ الماتن ذكر الشروط الباقية وهي أربعة :

١ ـ أن لا يبلغ حدّ الإلجاء ، وأكثر من اعترض على قاعدة اللطف كصاحب المواقف ، غفل عن هذا الشرط ولو التفت هو أو غيره إلى هذا الشرط ، لما سلّوا سيوفهم عن أغمادها.

٢ ـ أن يعلم المكلّف بوجود اللطف إجمالاً أو تفصيلاً لأنّه إنّما يدعو إلى الطاعة بوجوده العلمي لا بوجوده الواقعي فقط وإن لم يقف عليه المكلّف ، كما إذا وقف حابس الزكاة على أنّ المرض الشائع في القطيعة ، تنبيه من الله وعندئذ يقرّب الالتفات من الطاعة ، ويؤدي الفريضة.

٣ ـ أن يكون فيه وراء الحسن ، أمر آخر هو ملاك اللطفية ، وإلّا فالمباح بما هو حسن لا يكون لطفاً ، لكن يمكن أن يقال : إنّ وجود المباحات الكثيرة التي وسّعت الحياة للعباد ، وجعلتهم في يسر ورفق ، لطف من الله ومقرب لدخول الناس في دين الإسلام ولولاه ، لما دخل أكثرهم فيه ، والحسن عبارة عمّا ليس بقبيح فيشمل المباحات ولا يشترط وراء الحسن شيء زائد.

٤ ـ اللطف يدخله التخيير كما في الكفّارات المخيرة.

٥ ـ اللطف يجب أن يكون حسناً بالذات ، فلا يمكن عدّ تسلّط الظالم على العباد لطفاً من الله وإن كان يترتب عليه التوجه إلى الله سبحانه وذلك لأنّ تسلّطه عليهم نتيجة أعمالهم ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (الأنفال / ٥١).

إلى الملطوف فيه إلى حد الإلجاء ، لأن الفعل الملجئ إلى فعل آخر يشبه اللطفي كون كل منهما داعياً إلى الفعل ، غير أنّ المتكلمين لا يسمون الملجئ إلى الفعل لطفاً ، فلهذا شرطنا في اللطف زوال الإلجاء عنه إلى الفعل.

قال : ويعلم المكلَّفُ اللطفَ إجمالاً أو تفصيلاً.

أقول : هذا هو الحكم الثالث من أحكام اللطف ، وهو وجوب كونه معلوماً للمكلف إمّا بالإجمال أو بالتفصيل ، لأنّه إذا لم يعلمه ولم يعلم الملطوف فيه ولم يعلم المناسبة بينهما لم يكن داعياً له إلى الفعل الملطوف فيه.

فإن كان العلم الإجمالي كافياً في الدعاء إلى الفعل لم يجب التفصيل ، كما يعلم على الجملة كون الألم الواصل إلى البهيمة لطفاً لنا.

وإن كان اللطف لا يتم إلّا بالتفصيل وجب حصوله ، ويكفي العلم الإجمالي في المناسبة التي بين اللطف والملطوف فيه.

قال : ويزيد اللطفُ على جهة الحسن.

أقول : هذا هو الحكم الرابع ، وهو كون اللطف مشتملاً على صفة زائدة على الحسن من كونه واجباً كالفرائض أو مندوباً كالنوافل ، هذا فيما هو من فعلنا.

وأمّا ما كان من فعله تعالى فقد بيّنا وجوبه في حكمته.

قال : ويدخله التخييرُ.

أقول : هذا هو الحكم الخامس ، وهو أنّ اللطف لا يجب أن يكون معيناً ، بل يجوز أن يدخله التخيير ، بأن يكون كل واحد من الفعلين قد اشتمل على جهة من المصلحة المطلوبة من الآخر فيقوم مقامه ويسد مسدّه ، أمّا في حقنا فكما في الكفارات الثلاث ، وأمّا في حقه تعالى فلجواز أن يخلق لزيد ولداً يكون لطفاً له وإن كان يجوز حصول اللطفية بخلق ولد غير ذلك الولد من أجزاء غير أجزاء الولد الأول وعلى صورة غير صورته ، وحينئذ لا يجب أحد الفعلين بعينه بل يكون حكمه حكم الواجب المخيّر.

قال : بشرط حسنِ البدلَيْن.

أقول : لما ذكر أنّ اللطف يجوز أن يدخله التخيير نبّه على شرط كل واحد من البدلين ، أعني اللطف وبدله ، وأطلق على كل واحد منهما اسم البدل بالنظر إلى صاحبه إذ ليس أحدهما بالأصالة أولى من الآخر ، وذلك الشرط كون كل واحد منهما حسناً ليس فيه وجه قبح ، وهذا مما لم تتفق الآراء عليه ، فإنّ جماعة من العدلية ذهبوا إلى تجويز كون القبيح كالظلم منّا لطفاً قائماً مقام إمراض الله تعالى.

واستدلوا بأن وجه كون الألم من فعله تعالى لطفاً هو حصول المشاق وتذكر العقاب وذلك حاصل بالظلم منّا فجاز أن يقوم مقامه.

وهذا ليس بجيد لأن كونه لطفاً جهة وجوب والقبيح ليس له جهة وجوب ، واللطف إنّما هو في علم المظلوم بالظلم لا في نفس الظلم ، كما نقول : إنّ العلم بحسن ذبح البهيمة لطف لنا وإن لم يكن الذبح نفسه لطفاً.