درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۴۴: اشکالات اشاعره بر وجوب لطف و پاسخ بدان‌ها

 

قال : ووجوهُ القبح منتفيةٌ والكافر لا يخلو من لطفٍ والإخبارُ بالسعادة والشقاوة ليس مَفسدةً.

أقول : لمّا ذكر أقسام اللطف شرع في الاعتراضات على وجوبه مع الجواب عنها ، وقد أورد من شبه الأشاعرة ثلاثاً :

الأُولى : قالوا : اللطف إنما يجب إذا خلا من جهات المفسدة لأن جهات المصلحة لا تكفي في الوجوب ما لم تنتف جهات المفسدة ، فلم لا يجوز أن يكون اللطف الذي توجبونه مشتملاً على جهة قبح لا تعلمونه؟ فلا يكون واجباً.

وتقرير الجواب : أنّ جهات القبح معلومة لنا لأنّا مكلفون بتركها وليس هنا وجه قبح وليس ذلك استدلالاً بعدم العلم على العلم بالعدم.

الثانية : أنّ الكافر إمّا أن يكلَّف (١) مع وجود اللطف أو مع عدمه ، والأوّل باطل وإلا لم يكن لطفاً لأن معنى اللطف هو ما حصل الملطوف فيه

__________________

(١) للاستدلال شقوق ثلاثة وإليك بيانها :

١ ـ أنّ الكافر إمّا أن يكون مكلفاً مع وجود اللطف.

٢ ـ أن يكون مكلّفاً مع عدم اللطف مع عدم قدرته سبحانه عليه.

٣ ـ أن يكون مكلّفاً مع عدم اللطف مع قدرته سبحانه عليه.

والأوّل باطل ، إذ لو كان هناك لطف لوقع الملطوف فيه ، فحيث لم يقع نستكشف عدمه.

والثاني مستلزم لوصفه سبحانه بالعجز عن إعطاء اللطف.

والثالث مستلزم لأن يخلَّ الواجب سبحانه بالواجب وهو اللطف.

يلاحظ عليه : أوّلاً : أنّ لازمه عدم تكليف الكفّار والعصاة بالأحكام ، لعدم خروج تكليفهم عن الشقوق الثلاثة لا بطلان اللفظ.

وثانياً : أنّا نختار الشق الأوّل ولكن ليس اللطف ملازماً للامتثال بل هو مقرّب للعبد إليه ، أو لولاه لم يمتثل ، لا أنّه يمتثل معه قطعاً ، وممّا ذكرنا يعلم مفهوم التقرير الثاني لهذه الشبهة مع جوابها.

عنده ، والثاني إمّا أن يكون عدمه لعدم القدرة عليه فيلزم تعجيز الله تعالى وهو باطل ، أو مع وجودها فيلزم الإخلال بالواجب.

والجواب : أنّ اللطف ليس معناه هو ما حصل الملطوف فيه ، فإنّ اللطف لطف في نفسه سواء حصل الملطوف فيه أولا ، بل كونه لطفاً من حيث إنّه يقرِّب إلى الملطوف فيه ويرجح وجوده على عدمه ، وامتناع ترجيحه إنّما يكون لمعارض أقوى هو سوء اختيار المكلّف فيكون اللطف في حقه مرجوحاً.

ويمكن أن يكون ذلك جواباً عن سؤال آخر لهم ، وتقريره : أنّ اللطف لو كان واجباً لم تقع معصية من مكلّف أصلاً لأنّه تعالى قادر على كل شيء فإذا قدر على اللطف لكلّ مكلف في كل فعل لم تقع معصية لأنّه تعالى لا يخلّ بالواجب لكن الكفر والمعاصي موجودة.

وتقرير الجواب : أن نقول : إنّما يصح أن يقال يجب أن يلطف للمكلف إذا كان له لطف يصلح عنده ، ولا استبعاد في أن يكون بعض المكلفين لا لطف له سوى العلم بالمكلف والثواب مع الطاعة والعقاب مع المعصية ، والكافر له هذا للطف.

الثالثة : أنّ الإخبار بأنّ المكلف من أهل الجنة (١) أو من أهل النار مفسدة لأنّه إغراء بالمعاصي ، وقد فعله تعالى وهو ينافي اللطف.

__________________

(١) حاصله أنّه كيف يكون اللطف واجباً ، مع أنّه ربّما يقوم سبحانه بما هو في مقابل اللطف ، فيخبر عن سعادة بعض الأفراد فيوجد الجرأة للمعاصي ، وعن شقاء بعض آخر ، فيوجد فيهم اليأس والقنوط الملازم لإدامة العصيان. والجواب عن الأوّل بأنّ الاخبار مقارن لتمتع هؤلاء بملكات رحمانية تصدُّهم عن اقتراف المعاصي. وعن الثاني بأنّ المخبر عنه إمّا أن يكون جاهلاً غير مؤمن بصدق القرآن ، فليس فيه مفسدة أو يكون عارفاً كإبليس فلا يتحقق فيه الاغراء لأنّه عاين الحقائق قبل الهبوط.

والجواب : أنّ الإخبار بالجنّة ليس إغراء مطلقاً ، لجواز أن يقترن به من الألطاف ما يمتنع عنده من الإقدام على المعصية وإذا انتفى كونه إغراء على هذا التقدير بطل قولهم إنّه مفسدة على الإطلاق.

وأمّا الإخبار بالنار فليس مفسدة أيضاً ، لأن الإخبار إن كان للجاهل كأبي لهب انتفت المفسدة فيه ، لأنه لا يعلم صدق اخباره تعالى ، فلا يدعوه ذلك إلى الإصرار على الكفر ، وإن كان عارفاً كإبليس لم يكن إخباره تعالى بعاقبته داعياً إلى الاصرار على الكفر لأنّه يعلم أنّه بإصراره عليه يزداد عقابه ، فلا يصير مغرياً عليه.

قال : ويَقْبَحُ منه تعالى التعذيبُ مع منعه دون الذمّ.

أقول : المكلّف إذا منع المكلَّف من اللطف قبح منه عقابه ، لأنّه بمنزلة الأمر بالمعصية والملجئ إليها ، كما قال الله تعالى : ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً﴾ (١) ، فأخبر أنّهم ـ لو منعهم اللطف في بعثه الرسول ـ لكان لهم أن يسألوا بهذا السؤال ، ولا يكون لهم هذا السؤال إلّا مع قبح إهلاكهم من دون البعثة ، ولا يقبح ذمّه ، لأن الذم حق مستحق على القبيح غير مختص بالمكلَّف (٢) ، بخلاف العقاب المستحق للمكلف ، ولهذا لو بعث الإنسان غيره على فعل القبيح ففعله لم يسقط حق الباعث من الذم ، كما أنّ لإبليس ذمّ أهل النار وإن كان هو الباعث على المعاصي.

__________________

(١) طه : ١٣٤.

(٢) تقدم أنّ اللطف غير مؤثر في التمكين وإنّما هو شيء وراءه ، فمنع المكلف عن اللطف أو عدم منعه ، إنّما يتصوّر فيما إذا كان المكلَّف متمكناً من الامتثال في كلا الحالين ، وعلى ضوء ذلك لا يمكن التفكيك بين التعذيب والذم عند المنع عن اللطف بل يصح ـ