درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۴۳: قاعده لطف

 

اللازمة للتكليف.

قال : والفائدة ثابتةٌ.

أقول : هذا جواب عن سؤال مقدر وتقريره : انّ تكليف الكافر لا فائدة فيه لأنّ الفائدة من التكليف هي الثواب ولا ثواب له فلا فائدة في تكليفه فكان عبثاً.

والجواب : لا نسلّم أنّ الفائدة هي الثواب بل التعريض له وهو حاصل في حقه كالمؤمن.

المسألة الثانية عشرة : في اللطف وماهيته وأحكامه

قال : واللطفُ واجبٌ لتحصيل الغرض به.

أقول : اللطف هو ما يكون المكلف معه أقرب إلى فعل الطاعة وأبعد من فعل المعصية ، ولم يكن له حظ في التمكين ، ولم يبلغ حد الإلجاء.

واحترزنا بقولنا : «ولم يكن له حظ في التمكين» عن الآلة ، فإنّ لها حظاً في التمكين وليست لطفاً.

وقولنا : «ولم يبلغ حدّ الإلجاء» لأنّ الإلجاء ينافي التكليف واللطف لا ينافيه.

هذا اللطف المقرِّب (١).

__________________

(١) قاعدة اللطف من القواعد الكلامية ، ولها دور واسع في مسائلها ، قبلتها العدلية ورفضتها الأشاعرة ، وهي من فروع القول بالحسن والقبح العقليين ، فمن اعترف بهما أخذ بنتائجهما ومنها لزوم اللطف على الله ، ومن أنكرهما ردّ نتائجهما.

وقد قسّم الشارح تبعاً لغيره ، اللطفَ إلى المقرِّب إلى الطاعة ، والمحصِّل لها. فلو ـ

وقد يكون اللطف محصِّلاً ، وهو ما يحصل عنده الطاعة من المكلف على سبيل الاختيار ، ولولاه لم يطع (١) مع تمكنه في الحالين ، وهذا بخلاف

__________________

ـ كان موجباً لقرب المكلّف إلى فعل الطاعة ، والبعد عن فعل المعصية ، فهو لطف مقرّب ، ولو ترتبت عليه الطاعة فهو لطف محصّل.

ثمّ إنّ بعض المتكلمين اكتفى بذكر المحصِّل وحده ، واكتفى لفيف منهم بذكر المقرّب وحده ، وهناك من ذكر كلا القسمين :

فمن الأوّل : المتكلم الشيعي النوبختي في الياقوت ، حيث فسّره بقوله : «اللطف أمر يفعله الله تعالى بالمكلّف لا ضرر فيه يُعلم عند وقوع الطاعة منه ولولاه لم يُطَع» (١).

ومن الثاني : الشيخ المفيد ، قال : «اللطف ما يقرب المكلّف معه إلى الطاعة ويبعد عن المعصية ، ولاحظ له في التمكين ، ولم يبلغ الإجبار» (٢).

ومن الثالث : القاضي عبد الجبار ، قال : «إنّ اللطف هو كل ما يختار عنده المرء الواجبَ ويتجنب عن القبيح ، أو يكون عنده أقرب إمّا إلى اختيار الواجب أو إلى ترك القبيح» ، (٣) والعلّامة الحلي في أنوار الملكوت(٤) ، وأشار الشارح إلى كلا القسمين.

وعلى ضوء ذلك فليس هنا لطفان مختلفان بل كلاهما في الحقيقة أمر واحد ، غير أنّه إن ترتبت عليه الطاعة يكون محصّلاً ، فكونه مقرِّباً فعل الله سبحانه ، وأمّا كونه محصّلاً أمر انتزاعي ينتزع منه بعد حصول الغاية.

غير أنّ العناية باللطف المقرّب في الكتب الكلامية أكثر من المحصّل.

(١) قال بعض الشراح : إنّه قيد المقرّب ، وانّ قوله : «وقد يكون ـ إلى قوله ـ : الاختيار» جملة معترضة.

__________________

(١) لاحظ أنوار الملكوت في شرح الياقوت للعلامة الحلي : ١٥٢ ، وقوله يعلم بصيغة المجهول.

(٢) المفيد : النكت الاعتقادية : ٣١ ، وتبعه المحقق الطوسي في تلخيص المحصل : ٣٤٢ ، وابن ميثم في قواعد المرام : ١١٧.

(٣) القاضي عبد الجبار : شرح الأصول الخمسة : ٥١٩.

(٤) العلامة الحلي : أنوار الملكوت : ١٥٣ ـ ١٥٤ ، قال : وقسم المعتزلة اللطف إلى قسمين :

أحدهما : ما يختار عنده المكلف الطاعة ويسمى توفيقاً أو يختار عنده ترك القبيح ويسمى عصمة.

ثانيهما : ما يقرب من الطاعة ويقوى داعيه إليها.

التكليف (١) الذي يطيع عنده ، لأنّ اللطف أمر زائد على التكليف ، فهو من دون اللطف يتمكن بالتكليف من أن يطيع أو لا يطيع ، وليس كذلك التكليف لأنّ عنده يتمكن من أن يطيع وبدونه لا يتمكن من أن يطيع أو لا يطيع ، فلم يلزم أن يكون التكليف الذي يطيع عنده لطفاً.

إذا عرفت هذا فنقول : اللطف واجب ، خلافاً للأشعرية.

والدليل على وجوبه (٢) أنّه يحصِّل غرض المكلّف فيكون واجباً وإلّا لزم نقض الغرض.

__________________

(١) حاصله : أنّ اللطف غير مؤثر في التمكين بل أمر وراء القدرة ، وإلّا فلو كان مؤثراً في حصول القدرة ، لا يسمى لطفاً ، ومنه يظهر أنّ التكليف ليس لطفاً لأنّه ممّا له حظ في التمكين إذ لولاه لما حصل الامتثال. ومع ذلك كلّه.

قالت العدلية : الواجبات الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية ، ولا بد من الجمع بين ما ذكره الشارح من أنّ التكليف ليس لطفاً وهذا الكلام الذي يعرّف التكليف الشرعي لطفاً ، بنحو من الأنحاء فتأمّل.

(٢) لا يخفى أنّ الالتزام بوجوب اللطف بكلا قسميه أمر مشكل ، لاختلاف الدواعي إلى الامتثال ، فيلزم أن يقوم سبحانه في مورد كل فرد بما يكون معه أقرب إلى الطاعة ، فتختلف الدواعي حسب اختلاف الأمزجة والميول ، فلو افترضنا أنّ إنساناً إنّما يكون أقرب إلى الطاعة إذا كان ثرياً ، والآخر إذا كان فقيراً ، وثالثاً إذا كان متزوجاً بمرأة حسناء و... أترى أنّ من واجبه أن يقوم في حق كل انسان بما يكون معه أقرب إلى الطاعة؟!

بل الحق ما أوضحناه في الإلهيات وقلنا : إنّ كل ما هو دخيل في تحقق الرغبة بالطاعة ، والابتعاد عن المعصية في نفوس الأكثرية الساحقة من البشر يجب على الله سبحانه القيام به صوناً للتكليف عن اللغو (١) ، دون ما هو دخيل في خصوص فرد ، وإلّا لن يقف أقسام اللطف عند حدّ.

__________________

(١) الإلهيات : ٣ / ٥٤ الطبعة الثانية ولا يذهب عليك أنّ لنا في هذا الكتاب اصطلاحاً خاصاً في تفسير المحصل والمقرب في اللطف ، لا يمتّ للاصطلاح المعروف بين المتكلمين فيهما بصلة ، فلا تغفل.

بيان الملازمة : أنّ المكلّف إذا علم أن المكلَّف لا يطيع إلّا باللطف فلو كلّفه من دونه كان ناقضاً لغرضه ، كمن دعا غيره إلى طعام وهو يعلم أنّه لا يجيبه إلّا إذا فعل معه نوعاً من التأدب ، فإذا لم يفعل الداعي ذلك النوع من التأدب كان ناقضاً لغرضه ، فوجوب اللطف يستلزم تحصيل الغرض.

قال : فإن كان من فعله تعالى وجب عليه ، وإن كان من المكلّف وجب أن يُشعِره به ويُوجبَه ، وإن كان من غيرهما شُرِطَ في التكليف العلمُ بالفعل.

أقول : لما ذكر وجوب اللطف شرع في بيان أقسامه (١) وهو ثلاثة :

الأوّل : أن يكون من فعل الله تعالى ، فهذا يجب على الله تعالى فعله لما تقدم.

الثاني : أن يكون من فعل المكلف ، فهذا يجب على الله تعالى أن يعرّفه إياه ويشعره به ويوجبه عليه.

الثالث : أن يكون من فعل غيرهما فهذا ما يشترط في التكليف بالملطوف فيه العلم بأن ذلك الغير يفعل اللطف.

__________________

(١) ذكر الشارح أنّ للّطف أقساماً ثلاثة :

١ ـ ما يكون من فعل الله ، كالتبشير والإنذار ، وربّما يمثل بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، ولكنّه خارج عن حد اللطف ، لما عرفت أنّ ما كان مؤثراً في التمكين فهو ليس بلطف ، والمثالان من هذا القبيل ، إذ لولاهما لما عُلمت الفرائض والتكاليف.

٢ ـ ما يكون من فعل المكلف ، ولعل منه الدعوة إلى التأمّل في دعوة الأنبياء والإمعان في دلائلهم.

٣ ـ ما يكون من فعل الغير كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.