درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۴۹: آخرین مورد از موارد لزوم عوض + مسأله انتصاف

 

وكذا هو الناصب لأمارة الظن ، فلما كان سبب الغم منه تعالى كان العوض عليه.

وأمّا الغمّ الحاصل من العبد نفسه من غير سبب منه تعالى ، نحو أن يبحث العبد فيعتقد جهلاً نزول ضرر به أو فوات منفعةٍ ، فإنّه لا عوض فيه عليه تعالى ، ولو فعل به تعالى فعلاً لو شعر به لاغتم نحو أن يهلك له مالاً وهو لا يشعر به إلى أن يموت فإنّه لا يستحق العوض عليه تعالى لأنّه إذا لم يشعر به لم يغتم به.

الرابع : أمر الله تعالى عباده بإيلام الحيوان أو إباحته ، سواء كان الأمر للإيجاب كالذبح في الهدي والكفارة والنذر ، أو للندب كالضحايا ، فإن العوض في ذلك كله على الله تعالى ، لاستلزام الأمر والإباحة الحُسْنَ ، والألم إنّما يحسن إذا اشتمل على المنافع العظيمة البالغة في العظم حداً يحسن الألم لأجله.

الخامس : تمكين غير العاقل ، مثل سباع الوحش وسباع الطير والهوام ، وقد اختلف أهل العدل هنا على أربعة أقوال :

فذهب بعضهم إلى أنّ العوض على الله تعالى مطلقاً ، ويعزى هذا القول الى أبي علي الجُبّائي.

وقال آخرون : إنّ العوض على فاعل الألم ، وهو قول يحكى عن أبي علي أيضاً.

وقال آخرون : لا عوض هنا على الله تعالى ولا على الحيوان.

وقال قاضي القضاة : إن كان الحيوان مُلجأ إلى الإيلام كان العوض عليه تعالى ، وإن لم يكن ملجأ كان العوض على الحيوان نفسه.

احتج الأوّلون : بأنّه تعالى مكّنه وجعل فيه ميلاً شديداً إلى الإيلام مع

إمكان عدم الميل ولم يجعل له عقلاً يميز به حسن الألم من قبحه ولم يزجره بشيء من أسباب الزجر مع إمكان ذلك كله ، فكان ذلك بمنزلة الإغراء ، فلولا تكفله تعالى بالعوض لقبح منه ذلك.

واحتج الآخرون (١) : بقوله عليه‌السلام : إنّ الله تعالى ينتصف للجمّاء من القرناء.

واحتج النافون للعوض : بقوله عليه‌السلام : جرح العجماء جُبار.

واحتج القاضي بأنّ التمكين (٢) لا يقتضي انتقال العوض من الفاعل إلى الممكّن وإلّا لوجب عوض القتل على صانع السيف ، بخلاف الإلجاء

__________________

(١) المقصود هو القول الثاني الذي أشار إليه بقوله : «إنّ العوض على فاعل الألم» ، مستدلّا بأنّه سبحانه ينتصف للجمّاء (ضد القرناء) من القرناء ، ولا يخفى أنّه لو صح الحديث يكون معناه أنّه ينتقم الله لها من القرناء ، لا أنّ العوض على فاعل الألم وأنّه سبحانه ينقل أعواض القرناء إليها كما هو المدعى.

والمراد من القول الثالث عدم العوض مطلقاً مستدلاً بما روى : «جرح العجماء جبار» (١) ، وقد استدل بها الفقهاء على عدم الضمان لصاحبها ، وأين هو من الدلالة على كون العوض على الحيوان أو على خالقه؟

(٢) لا يخفى أنّ ما ذكره القاضي من الفرق بين التمكين والإلجاء وإن كان متيناً ، لكن القسم الأوّل منتف في الحيوان الذي هو المحور للبحث ، فإنّ الافتراس أمر غريزيّ للسبع مطلقاً بلا استثناء.

وأمّا قوله : «بأنّ العوض لو كان عليه تعالى لما حسن منعها عن الأكل» فمعناه : إذا كان العوض على الله فلما ذا نمنع السباع عن أكل الإنسان بعد افتراسه ، فإنّ مقتضى المعاوضة فسح المجال لها ولو في هذا الحد ، وأجاب الشارح بأنّ هنا وجهاً للمنع وهو التحفظ على كرامة الإنسان ولو بأجزائه المتفككة.

__________________

(١) أحمد بن حنبل : المسند : ٥ / ٣٢٦ والجبار هو الهدر الذي لا يغرم.

المقتضي لاستناد الفعل في الحقيقة إلى الملجئ ، ولهذا يحسن ذمّه دون الملجأ ؛ وبأنّ العوض لو كان عليه تعالى لما حسن منعها عن الأكل.

والجواب عن الأوّل : أنّه لا دلالة في الحديث على أنّه تعالى ينتصف للجماء بأن ينقل أعواض القرناء إليها ، وهو يصدق بتعويض الله تعالى إياها ، كما أنّ السيّد إذا غرم ما أتلفه عبده يقال قد أنصف المظلوم من عبده ، مع أنّه يحتمل المجاز بتشبيه الظالم لتمكنه من الظلم بالقرناء والمظلوم بالجماء لضعفه.

وعن الثاني : أن المراد انتفاء القصاص.

وعن الثالث : بالفرق فإنّ القاتل ممنوع من القتل وعنده اعتقاد عقلي يمنعه عن الإقدام عليه ، فلهذا لم نقل بوجوب العوض على صانع السيف بخلاف السبع.

وعن الرابع : أنّه قد يحسن المنع عن الأكل إذا كان لذلك المنع وجه حسن ، كما أنّه يحسن منا منع الصبيان عن شرب الخمر ومنع المعاقب عن العقاب.

قال : بخلاف الإحراق عند الإلقاء في النار (١) والقتلِ عند شهادةِ الزور.

__________________

(١) لما تقدم في البحث السابق أنّ العوض في إنزال الآلام والمضارّ على الله سبحانه ، لزم منه ـ حسب الظاهر ـ أن يكون العوض عند الإلقاء في النار ، والقتل عند شهادة الزور ، عليه سبحانه أيضاً ، لأنّ الألم بالنار فعله سبحانه والقاضي منصوب من جانبه سبحانه وهو الموجب عليه القتلَ مباشرة أو تسبيباً.

أجاب ما هذا توضيحه : بأنّ المباشر أقوى في الصورة الأُولى ، بخلاف الصورة الثانية ، فإنّ السبب أعني الملقي ، أو شاهد الزور أقوى من المباشر ، فلولا إلقاؤه أو شهادته لما كان هناك إحراق ولا قتل.

أقول : إذا طرحنا صبياً في النار فاحترق فإنّ الفاعل للألم هو الله تعالى والعوض علينا نحن ، لأنّ فعل الألم واجب في الحكمة من حيث إجراء العادة والله تعالى قد منعنا من طرحه ونهانا عنه ، فصار الطارح كأنّه الموصل إليه الألم فلهذا كان العوض علينا دونه تعالى.

وكذلك إذا شهد عند الامام شاهدا زور بالقتل فإنّ العوض على الشهود وإن كان الله تعالى قد أوجب القتل والإمام تولاه ، وليس عليهما عوض لأنّهما أوجبا بشهادتهما على الامام إيصال الألم إليه من جهة الشرع فصار كأنهما فعلاه.

لا يقال : هذا يوجب العوض عليه تعالى لأنه هو الموجب على الامام قتله.

لأنا نقول : قبول الشاهدين عادة شرعية يجب إجراؤها على قانونها كالعادات الحسيّات ، فكما وجب العوض على الملقي للطفل في النار قضاء لحق العادة الحسية كذلك وجب العوض هنا على الشاهدين قضاء لحق العادة الشرعية ، والمناط هو الحكمة المقتضية لاستمرار العادات.

قال : والانتصافُ عليه تعالى واجبٌ عقلاً وسمعاً (١).

أقول : اختلف أهل العدل في ذلك ، فذهب قوم منهم إلى أن الانتصاف

__________________

(١) الانتصاف هو الانتقام ، والمقصود منه في المقام أخذ العوض من الظالم للمظلوم لا القصاص ، ولما ذكر المصنّف في البحث السابق بأنّ عوض الآلام المستندة إلى الإنسان (كالإلقاء في النار) عليه ، لا على الله فرّع هذا الكلام عليه وأنّه يجب عليه سبحانه عند تمكين الظالم من المظلوم أخذ العوض من الظالم ودفعه للمظلوم إمّا عقلاً وسمعاً كما عليه الماتن أو سمعاً فقط كما عليه الآخرون.

للمظلوم من الظالم واجب على الله تعالى عقلاً ، لأنّه هو المدبّر لعباده ، فنظره كنظر الوالد لوُلده فكما يجب على الوالد الانتصاف كذلك يجب عليه تعالى قياساً للغائب على الشاهد.

وقال آخرون منهم : إنّه يجب سمعاً لأن الوالد يجب عليه تدبير أولاده وتأديبهم ، أمّا الانتصاف بأخذ الأرش من الظالم ودفعه إلى المظلوم فلا نسلّم وجوبه عقلاً بل يحسن منا تركهم إلى أن تكمل عقولهم لينتصف بعضهم من بعض.

والمصنف رحمه‌الله اختار وجوبه عقلاً وسمعاً.

أمّا من حيث العقل : فلأنّ ترك الانتصاف منه تعالى يستدعي ضياع حق المظلوم لأنّه تعالى مكَّن الظالم وخلّى بينه وبين المظلوم مع قدرته تعالى على منعه ولم يمكّن المظلوم من الانتصاف فلولا تكفله تعالى بالانتصاف لضاع حق المظلوم وذلك قبيح عقلاً.

وأمّا من حيث السمع : فلورود القرآن بأنّه تعالى يقضي بين عباده ، ولوصف المسلمين له تعالى بأنّه الطالب ، أي الذي يطلب حق الغير من الغير.

قال : فلا يجوز تمكين الظالم من الظلم (١) من دون عوضٍ في الحال يوازي ظلمَه.

أقول : هذا تفريع على وجوب الانتصاف ، وهو أنّه هل يجوز تمكين الله

__________________

(١) لما حكم في البحث السابق بوجوب الانتصاف بمعنى أخذ العوض من الظالم ودفعه إلى المظلوم لزم منه عدم جواز تمكين الظالم من الظلم إذا لم يكن عند الظالم عوض يوازي ظلمه ، من مال حلال أو عمل خير ، وهذا من لوازم القول بوجوب الانتصاف ، ولما ـ