درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۵۰: لزوم امکان جبران خسارت در ظالم + ویژگی‌های عوض

 

للمظلوم من الظالم واجب على الله تعالى عقلاً ، لأنّه هو المدبّر لعباده ، فنظره كنظر الوالد لوُلده فكما يجب على الوالد الانتصاف كذلك يجب عليه تعالى قياساً للغائب على الشاهد.

وقال آخرون منهم : إنّه يجب سمعاً لأن الوالد يجب عليه تدبير أولاده وتأديبهم ، أمّا الانتصاف بأخذ الأرش من الظالم ودفعه إلى المظلوم فلا نسلّم وجوبه عقلاً بل يحسن منا تركهم إلى أن تكمل عقولهم لينتصف بعضهم من بعض.

والمصنف رحمه‌الله اختار وجوبه عقلاً وسمعاً.

أمّا من حيث العقل : فلأنّ ترك الانتصاف منه تعالى يستدعي ضياع حق المظلوم لأنّه تعالى مكَّن الظالم وخلّى بينه وبين المظلوم مع قدرته تعالى على منعه ولم يمكّن المظلوم من الانتصاف فلولا تكفله تعالى بالانتصاف لضاع حق المظلوم وذلك قبيح عقلاً.

وأمّا من حيث السمع : فلورود القرآن بأنّه تعالى يقضي بين عباده ، ولوصف المسلمين له تعالى بأنّه الطالب ، أي الذي يطلب حق الغير من الغير.

قال : فلا يجوز تمكين الظالم من الظلم (١) من دون عوضٍ في الحال يوازي ظلمَه.

أقول : هذا تفريع على وجوب الانتصاف ، وهو أنّه هل يجوز تمكين الله

__________________

(١) لما حكم في البحث السابق بوجوب الانتصاف بمعنى أخذ العوض من الظالم ودفعه إلى المظلوم لزم منه عدم جواز تمكين الظالم من الظلم إذا لم يكن عند الظالم عوض يوازي ظلمه ، من مال حلال أو عمل خير ، وهذا من لوازم القول بوجوب الانتصاف ، ولما ـ

تعالى من الظلم من لا عوض له في الحال يوازي ظلمه؟ فمنع منه المصنف رحمه‌الله ، وقد اختلف أهل العدل هنا ، فقال أبو هاشم والكعبي : إنّه يجوز ، لكنهما اختلفا :

فقال الكعبي : يجوز أن يخرج من الدنيا ولا عوض له يوازي ظلمه ، وقال : إنّ الله تعالى يتفضل عليه بالعوض المستحق عليه ويدفعه إلى المظلوم.

وقال أبو هاشم : لا يجوز بل يجب التبقية لأن الانتصاف واجب والتفضل ليس بواجب فلا يجوز تعليق الواجب بالجائز.

قال السيد المرتضى : إنّ التبقية تفضل أيضاً فلا يجوز تعليق الانتصاف بها فلهذا وجب العوض في الحال واختاره المصنف رحمه‌الله لما ذكرناه.

__________________

ـ كان ذلك مخالفاً لضرورة الحياة البشرية ، فإنّ كثيراً من الظالمين ماتوا أو قتلوا ولم يكن عندهم درهم حلال ولا عمل خير حتى ينقله سبحانه منهم إلى صحيفة المظلوم ، وقع القائلون بالوجوب في حيص وبيص فذكروا وجوهاً :

١ ـ قال الكعبي : إنّ الله يتفضل على الظالم بالعوض المستحق عليه ، ويدفعه إلى المظلوم.

٢ ـ قال أبو هاشم : تفضله سبحانه على الظالم أمر ليس بواجب ، فكيف يمكن أن يترتب عليه أمر واجب وهو الانتصاف؟ بل يجب عليه سبحانه أن يبقيه ويعمِّره حتى يكتسب عوضاً وينتقل إلى المظلوم.

٣ ـ أورد عليه السيد المرتضى بأنّ ما أشكل على الكعبي من أنّ التفضّل ليس بواجب وارد عليه أيضاً ، لأنّ التبقية أيضاً تفضّل لا يمكن أن يترتب عليه أمر واجب وهو الانتصاف. وحق المقال غير ما ذكراه ، إذ كيف يمكن أن يقال : إنّه يجب التفضل على الظالم مع انّه كافر جاحد أو منافق معاند ، وأمّا التبقية فيكذِّبها الحس والوجدان ، فلا محيص عن القول بأنّه يجب عليه سبحانه الأمر بإجراء الحدود في الدنيا ، أو تعذيبه في الآخرة ، ورفع درجة المظلوم فيها إذا كان أهلاً لذلك.

قال : فإن كان المظلوم من أهل الجنة (١) فرَّق اللهُ تعالى أعواضه على الأوقات أو تفضَّل عليه بمثلها ، وإن كان من أهل العقاب أسقطَ بها جزءاً من عقابه بحيث لا يظهر له التخفيف بأن يُفرِّق الناقصَ على الأوقات.

أقول : لما بيّن وجوب الانتصاف ذكر كيفية إيصال العوض إلى مستحقه.

__________________

(١) السبب لعنوان هذا البحث هو التزامهم بخلوّ الجنّة عن الغمّ ، والجحيم عن الفرح ، وهذا يطلب لنفسه البحثَ عن كيفية انقطاع العوض عن أهل الجنّة على وجه لا يورِثُ الغمَّ ، ودفع العوض إلى أهل الجحيم على وجه لا يورث الفرحَ والسرورَ ولو لأجل إحساس خفة العذاب ، لكن الكلام في وجود الدليل على الالتزام بهما على هذا الحد.

وذكر الماتن في كيفية إعطاء العوض إذا كان المظلوم من أهل الجنة وجهين ، وإذا كان من أهل النار وجهاً واحداً :

إذا كان من أهل الجنّة وقلنا إنّ العوض دائم فلا بحث ، إنّما الكلام إذا كان العوض منقطعاً فهنا وجهان :

١ ـ يفرِّق الله أعواضه على الأوقات ، على وجه إذا انقطع العوضُ لا يدرك انقطاعه لقلته جداً لأجل التوزيع على مدّة طويلة لا قصيرة.

٢ ـ يتفضل عليه بمثلها.

وإذا كان من أهل النار والمفروض أنّ العوض منقطع فالذي أجاب به الماتن نفس الجواب الأوّل المذكور في حق أهل الجنّة ، قال : كما أنّه سبحانه يفرق أعواض أهل الجنّة على أوقاتهم حتى لا يلزم الألم في الجنّة لأجل الانقطاع فهكذا في المقام ، يجعل العوض إسقاط جزء من عذابه لكن مفرَّقاً على أوقاته ، وبما أنّ العوض كان مفرقاً وقليلاً لأجل التفريق ، لا تظهر له الخفة مطلقاً حتى بعد الانقطاع ، وإليه أشار الماتن بقوله : «اسقط بها ـ

واعلم : أنّ المستحق للعوض إمّا أن يكون مستحقاً للجنة أو للنار ، فإن كان مستحقاً للجنة فإن قلنا إنّ العوض دائم فلا بحث وإن قلنا إنّه منقطع توجه الإشكال بأن يقال : لو أوصل العوض إليه ثمّ انقطع عنه حصل له الألم بانقطاعه.

والجواب من وجهين : الأوّل : أنّه يوصل إليه عوضه متفرقاً على الأوقات بحيث لا يبيّن له انقطاعه فلا يحصل له الألم.

__________________

ـ جزءاً من عقابه بحيث لا يظهر له التخفيف» والشارحُ أتى به في آخر الشرح بقوله : «أو نقول : إنّه تعالى يُنقص من آلامه ما يستحقه من أعواضه متفرقاً على الأوقات بحيث لا تظهر له الخفّة من قبل».

وأمّا الشارح فقد جاء بجواب آخر ، وحاصله : انّه يسقط من عقابه في برهة خاصة من الزمان لا مفرقاً على الأوقات ، ولما كان الإسقاط غير نفس العوض أولاً ، وكان الإسقاط في برهة خاصة يلازم إحساس الراحة أو التخفيف ثانياً حاول إصلاح ذينك الأمرين وقال :

١ ـ إنّ طبع العوض وإن كان يقتضي إيصال النفع ، لكنّه لا فرق بينه وبين دفع الضرر في مقام الإيثار والاختيار ، وبذلك أجاب عن الإشكال الأوّل.

٢ ـ إنّ عظمة الآلام ـ بعد الإسقاط ـ تمنع عن إحساس الراحة ، بحيث لا يؤثر الإسقاط حتى في نفس تلك البرهة في إحساس الراحة والتخفيف ويقف على أنّ آلامه بعد ذلك الإسقاط أشد ، كل ذلك يسلب منه ذكر الراحة وإحساس الخفة.

لكن الأساس غير ثابت ، وما الدليل على أنّه تعلّقت مشيئته سبحانه بعدم إحساس أهل النار خفة العذاب في برهة إذا كان التخفيف عوضاً؟ وما ورد في الكتاب العزيز في غير واحد من السور من أنّه لا يخفف عنهم العذاب (١) ناظر إلى التخفيف من غير سبب.

__________________

(١) البقرة : ٨٦ ، ١٦٢ ، آل عمران : ٨٨ ، النحل : ٨٥ ، فاطر : ٣٦ ، غافر : ٤٩.

الثاني : أن يتفضل الله تعالى عليه بعد انقطاعه بمثله دائماً فلا يحصل الألم.

وإن كان مستحقاً للعقاب جعل الله تعالى عوضه جزءاً من عقابه ، بمعنى أنّه يسقط من عقابه بإزاء ما يستحقه من الأعواض ، إذ لا فرق في العقل بين إيصال النفع ودفع الضرر في الإيثار ، فإذا خفف عقابه وكانت آلامه عظيمة علم أنّ آلامه بعد إسقاط ذلك القدر من العقاب أشد ولا يظهر له أنّه كان في راحة ، أو نقول : إنّه تعالى ينقص من آلامه ما يستحقه من أعواضه متفرقاً على الأوقات بحيث لا يظهر له الخفة من قبل.

قال : ولا يجب دوامه لحسن الزائد بما يختارُ معه الألم وإن كان منقطعاً ، ولا يجب حصوله في الدنيا لاحتمال مصلحة التأخير ، والألم على القطع ممنوعٌ مع أنّه غيرُ محلِّ النزاع.

أقول : لما ذكر وجوب العوض شرع في بيان أحكامه ، وقد اختلف الشيخان هنا :

فقال أبو علي الجُبّائي : إنّه يجب دوامه ، وقال أبو هاشم : لا يجب ، واختاره المصنف رحمه‌الله.

والدليل عليه أنّ العوض إنما حسن لاشتماله على النفع الزائد على الألم أضعافاً يختار معه المولم ألمه ، ومثل هذا يتحقق في المنقطع ، فكان وجه الحسن فيه ثابتاً فلا تجب إدامته.

وقد احتج أبو علي بوجهين أشار المصنف إلى الجواب عنهما :

الأوّل : أنّه لو كان العوض منقطعاً لوجب إيصاله في الدنيا لأن تأخير الواجب بعد وجوبه وانتفاء الموانع منع للواجب ، وإنّما قلنا بانتفاء الموانع

لأن المانع هو الدوام (١) مع انقطاع الحياة المانع من دوامه.

والجواب : لا نسلم أنّ المانع من تقدمه في الدنيا إنّما هو انقطاع الحياة لجواز أن يكون في تأخيره مصلحة خفية.

الثاني : لو كان العوض منقطعاً لزم دوامه والتالي لا يجامع المقدم ، بيان الملازمة : أنّه بانقطاعه يتألم صاحب العوض والألم يستلزم العوض فيلزم من انقطاعه دوامه.

والجواب من وجهين : الأوّل : يجوز انقطاعه من غير أن يشعر صاحبه بانقطاعه إمّا لإيصاله إليه على التدريج في الأوقات بحيث لا يشعر بانتفائه لكثرة غيره من منافعه ، أو بأن يجعله ساهياً ثمّ يقطعه فلا يتألم حينئذ.

الثاني : أنّه غير محل النزاع لأنّ البحث في العوض المستحق على الألم هل يجب إدامته، وليس البحث في استلزام الألم الحاصل بالانقطاع لعوض آخر وهكذا دائماً.

قال : ولا يجب إشعارُ صاحبه بإيصاله عوضاً.

أقول : هذا حكم آخر للعوض يفارق به الثواب ، وهو أنّه لا يجب

__________________

(١) زعم أبو علي أنّ القول بعدم دوام العوض يلازم أن يكون العوض واصلاً في الدنيا ، لا في الآخرة ، لأنّ الذي كان يمنع عن وصول العوض في الدنيا هو دوامه ، ولكن المفروض انقطاعه ، والعوض المنقطع يناسب الحياة المؤقتة ، وحيث إنّ الواقع على خلافه وإنّ كثيراً من الأعواض لا تصل في الدنيا نحدس بأنّه دائم يصل عند ابتداء الحياة الدائمة.

وأجاب الشارح بأنّ افتراض انقطاع العوض لا يلازم وصوله في الدنيا ، إذ ليس المانع منحصراً في انقطاع الحياة حتى يقال إنّه ليس بمانع ، لأنّ العوض أيضاً منقطع ، بل هناك مانع آخر ، وهو وجود المصلحة الخفية في تأخره.