درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۵۱: احکام و ویژگی‌های عوض

 

لأن المانع هو الدوام (١) مع انقطاع الحياة المانع من دوامه.

والجواب : لا نسلم أنّ المانع من تقدمه في الدنيا إنّما هو انقطاع الحياة لجواز أن يكون في تأخيره مصلحة خفية.

الثاني : لو كان العوض منقطعاً لزم دوامه والتالي لا يجامع المقدم ، بيان الملازمة : أنّه بانقطاعه يتألم صاحب العوض والألم يستلزم العوض فيلزم من انقطاعه دوامه.

والجواب من وجهين : الأوّل : يجوز انقطاعه من غير أن يشعر صاحبه بانقطاعه إمّا لإيصاله إليه على التدريج في الأوقات بحيث لا يشعر بانتفائه لكثرة غيره من منافعه ، أو بأن يجعله ساهياً ثمّ يقطعه فلا يتألم حينئذ.

الثاني : أنّه غير محل النزاع لأنّ البحث في العوض المستحق على الألم هل يجب إدامته، وليس البحث في استلزام الألم الحاصل بالانقطاع لعوض آخر وهكذا دائماً.

قال : ولا يجب إشعارُ صاحبه بإيصاله عوضاً.

أقول : هذا حكم آخر للعوض يفارق به الثواب ، وهو أنّه لا يجب

__________________

(١) زعم أبو علي أنّ القول بعدم دوام العوض يلازم أن يكون العوض واصلاً في الدنيا ، لا في الآخرة ، لأنّ الذي كان يمنع عن وصول العوض في الدنيا هو دوامه ، ولكن المفروض انقطاعه ، والعوض المنقطع يناسب الحياة المؤقتة ، وحيث إنّ الواقع على خلافه وإنّ كثيراً من الأعواض لا تصل في الدنيا نحدس بأنّه دائم يصل عند ابتداء الحياة الدائمة.

وأجاب الشارح بأنّ افتراض انقطاع العوض لا يلازم وصوله في الدنيا ، إذ ليس المانع منحصراً في انقطاع الحياة حتى يقال إنّه ليس بمانع ، لأنّ العوض أيضاً منقطع ، بل هناك مانع آخر ، وهو وجود المصلحة الخفية في تأخره.

إشعار مستحقه بتوفيته عوضاً له ، بخلاف الثواب إذ يجب في الثواب مقارنة التعظيم ولا فائدة فيه إلا مع العلم به ، أمّا هنا فلأنّه منافع وملاذّ وقد ينتفع ويلتذّ من لا يعلم ذلك ، فما يجب إيصاله إلى المثاب (١) في الآخرة من الأعواض يجب أن يكون عالماً به من حيث إنّه مثاب لا من حيث إنّه معوض ، وحينئذ أمكن أن يوفّيه الله تعالى في الدنيا على بعض المعوضين غير المكلفين وأن ينتصف لبعضهم من بعض في الدنيا فلا تجب إعادتهم في الآخرة.

قال : ولا يتعين منافعُه (٢).

أقول : هذا حكم ثالث للعوض ، هو أنّه لا يتعين منافعه بمعنى أنّه لا يجب إيصاله في منفعة معينة دون أُخرى بل يصلح توفيته بكل ما يحصل فيه شهوة المعوض (٣) ، وهذا بخلاف الثواب لأنّه يجب أنّ يكون من جنس ما ألفه المكلف من ملاذّه كالأكل والشرب واللبس والمنكح لأنّه رغب به في تحمل المشاقّ ، بخلاف العوض فإنّا قد بينا أنّه يصحّ إيصاله إليه وإن لم يعلم أنّه عوض عما وصل إليه من الألم فصحّ إيصاله إليه بكل منفعة.

__________________

(١) المراد من المثاب صاحب المعوض لا المثاب المصطلح ، ثمّ الداعي لاعتبار الاستشعار في الثواب دون العوض هو تصوير دفع العوض إلى الحيوان ، مع عدم شعوره بالعوض.

ثمّ إنّ الشارح ذكر أنّ دفع العوض لغير المكلفين كالحيوانات لا يتوقف على المعاد ، بل يمكن أن يوفّيه الله تعالى في الدنيا على بعضهم ، نعم من لم يوفِّه ، يحشر ويعوّض كما قال سبحانه :

﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ (التكوير : ٥).

(٢) الصحيح منافع ، والمقصود أنّ العوض لا يشترط أن يكون ممّا ألِفه المكلّف بخلاف الثواب ، ولذلك كان عوض الكافر إسقاط العذاب ، لا ما ألفه من الأكل والشرب.

(٣) الصحيح : المعوض له.

قال : ولا يصحُّ إسقاطهُ.

أقول : هذا حكم آخر للعوض وهو أنّه لا يصح إسقاطه ولا هبته ممن وجب عليه في الدنيا ولا في الآخرة ، سواء كان العوض عليه تعالى أو علينا ، هذا قول أبي هاشم وقاضي القضاة.

وجزم أبو الحسين بصحة إسقاط العوض علينا إذا استحلّ الظالم من المظلوم وجعله في حل ، بخلاف العوض عليه تعالى فإنّه لا يسقط لأنّ اسقاطه عنه تعالى عبث لعدم انتفاعه به.

واحتج القاضي بأنّ مستحق العوض لا يقدر على استيفائه ولا على المطالبة به ولا يعرف مقداره ولا صفته فصار كالصبي المولّى عليه لا يصح له اسقاط حقه عن غريمه.

والوجه عندي جواز ذلك (١) لأنّه حقه وفي هبته نفع للموهوب ويمكن نقل هذا الحق إليه فكان جائزاً. والحمل على الصبي غير تام لأن الشرع منع الصبي من التصرف في ماله لمصلحة شرعية حتى إنّا لو لا الشرع لجوّزنا من

__________________

(١) إنّ الشارح خالف قول أبي هاشم وقاضي القضاة ، حيث إنّهما لم يجوّزا إسقاط العوض مطلقاً سواء كان علينا أم على الله ، ولكنّه قال بإسقاط العوض في الجملة.

كما خالف أبا الحسين البصري ، حيث إنّه فصّل في العوض بأنّه لو كان علينا جاز الإسقاط بالاستحلال ، دون ما إذا كان على الله ، لأنّ إسقاطه عندئذ عبث لأنّ الإيلام كان لغاية العوض ، والمفروض أنّ المكلّف أسقطه ، والشارح خالفه أيضاً وقال بجواز إسقاط العوض مطلقاً سواء كان علينا أو على الله. ولا يلزم العبث ، لأنّ أثر هذا الإسقاط هو الإحسان إلى الغير ، إذا وهبه له لا الإسقاط المطلق.

نعم ذهب إلى عدم جواز إسقاط الثواب لأنّه مستحق مع المدح فلا يصح نقله إلى من لا يستحقه ، وفيه تأمّل إذا كان العمل للغير من أوّل الأمر ونوى الإتيان به لأجله.

الصبي المميز إذا علم (١) دينه ، وأنّ هبته احسان إلى الغير (٢) وآثر هذا الإحسان (٣) لانتفاء الضرر عنه مع اشتماله على الاختيار في الهبة لأنّه كالبالغ لكن الشرع فرق بينهما.

وعلى هذا لو كان العوض مستحقاً عليه تعالى أمكن هبته مستحقة لغيره من العباد ، لما ذكرنا من أنّه حقه وفي هبته انتفاع الموهوب (٤) وإمكان نقل هذا الحق ، أمّا الثواب المستحق عليه تعالى فلا يصحّ منّا هبته لغيرنا لأنّه مستحق بالمدح فلا يصح نقله إلى من لا يستحقه.

قال : والعوضُ عليه تعالى يجب تزايُدُه إلى حدِّ الرضا عند كلِّ عاقلٍ ، وعلينا يجب مساواتُه.

أقول : هذا حكم آخر للعوض ، وهو أنّه إمّا أن يكون علينا أو عليه تعالى.

أمّا العوض الواجب عليه تعالى فإنّه يجب أن يكون زائداً عن الألم الحاصل بفعله أو بأمره أو بإباحته أو بتمكينه لغير العاقل ، زيادة تنتهي إلى حد الرضا من كل عاقل بذلك العوض في مقابلة ذلك الألم لو فعل به لأنّه لو لا ذلك لزم الظلم أمّا مع مثل هذا العوض فإنّه يصير كأنّه لم يفعل.

وأمّا العوض علينا فإنّه يجب مساواته لما فعله من الألم أو فوَّتهُ من المنفعة لأن الزائد على ما يستحق عليه من الضمان يكون ظلماً ولا يخرج ما

__________________

(١) بفتح الدال أي مقدار حقه ، وهذا من الموارد التي افترق فيها حكم الشرع عن حكم العقل ، وبذلك ربّما نوقضت القاعدة الملازمة فتأمّل.

(٢) تعليل لحسن إسقاطه لأنّ فيه إحساناً إلى الغير.

(٣) أي إنّما اختار هذا الإحسان لانتفاء الضرر عنه.

(٤) الصحيح : الموهوب له.

فعلناه بالضمان عن كونه ظلماً قبيحاً فلا يلزم أن يبلغ الحد الذي شرطناه في الآلام الصادرة منه تعالى.

المسألة الخامسة عشرة : في الآجال

قال : وأجلُ الحيوان (١) الوقتُ الذي علم اللهُ تعالى بطلان حياته فيه.

أقول : لما فرغ من البحث عن الأعواض انتقل إلى البحث عن الآجال ، وإنّما بحث عنه المتكلمون لأنهم بحثوا عن المصالح والألطاف وجاز أن يكون موت إنسان في وقت مخصوص لطفاً لغيره من المكلفين فبحثوا عنه (٢) بعد بحثهم عن المصالح.

واعلم أنّ الأجل هو الوقت ، ونعني بالوقت هو الحادث (٣) أو ما يقدّر تقدير الحادث (٤) ، كما يقال : جاء زيد عند طلوع الشمس ، فإنّ طلوع الشمس أمر حادث معلوم لكل أحد فجعل وقتاً لغيره ، ولو فرض جهالة طلوع

__________________

(١) الأجل يطلق ويراد منه تارة نهاية المدة كما في أجل الحيوان والإنسان ، وأُخرى مجموع المدة مثل قوله سبحانه: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ ...﴾ (القصص : ٢٨).

أي من الثماني والعشر حجج.

(٢) أي بحثوا عن الموت بعد البحث عن حسنه لكونه سبباً لنيل الكمال.

(٣) والأولى أن يقيّده بالمعلوم ، ولأجله ربّما يكون طلوع الشمس وقتاً لمجيء زيد وأُخرى يكون مجيء زيد وقتاً له كما يصرّح بذلك.

(٤) الظاهر أنّه يريد تقسيم الوقت إلى وقت عام وخاص ، والأوّل ما يقدَّر به أكثر الحوادث كالليل والنهار وطلوع الشمس وغروبه ، والثاني ما يقدَّر به بعض الحوادث ، كنسبة بعض الحوادث إلى مجيء زيد.