درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۵۲: مصادیق عوض

 

فعلناه بالضمان عن كونه ظلماً قبيحاً فلا يلزم أن يبلغ الحد الذي شرطناه في الآلام الصادرة منه تعالى.

المسألة الخامسة عشرة : في الآجال

قال : وأجلُ الحيوان (١) الوقتُ الذي علم اللهُ تعالى بطلان حياته فيه.

أقول : لما فرغ من البحث عن الأعواض انتقل إلى البحث عن الآجال ، وإنّما بحث عنه المتكلمون لأنهم بحثوا عن المصالح والألطاف وجاز أن يكون موت إنسان في وقت مخصوص لطفاً لغيره من المكلفين فبحثوا عنه (٢) بعد بحثهم عن المصالح.

واعلم أنّ الأجل هو الوقت ، ونعني بالوقت هو الحادث (٣) أو ما يقدّر تقدير الحادث (٤) ، كما يقال : جاء زيد عند طلوع الشمس ، فإنّ طلوع الشمس أمر حادث معلوم لكل أحد فجعل وقتاً لغيره ، ولو فرض جهالة طلوع

__________________

(١) الأجل يطلق ويراد منه تارة نهاية المدة كما في أجل الحيوان والإنسان ، وأُخرى مجموع المدة مثل قوله سبحانه: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ ...﴾ (القصص : ٢٨).

أي من الثماني والعشر حجج.

(٢) أي بحثوا عن الموت بعد البحث عن حسنه لكونه سبباً لنيل الكمال.

(٣) والأولى أن يقيّده بالمعلوم ، ولأجله ربّما يكون طلوع الشمس وقتاً لمجيء زيد وأُخرى يكون مجيء زيد وقتاً له كما يصرّح بذلك.

(٤) الظاهر أنّه يريد تقسيم الوقت إلى وقت عام وخاص ، والأوّل ما يقدَّر به أكثر الحوادث كالليل والنهار وطلوع الشمس وغروبه ، والثاني ما يقدَّر به بعض الحوادث ، كنسبة بعض الحوادث إلى مجيء زيد.

الشمس وعلم مجيء زيد لبعض الناس صحّ أن يقال : طلعت الشمس عند مجيء زيد.

إذا عرفت هذا فأجل الحيوان هو الوقت الذي علم الله تعالى بطلان حياة ذلك الحيوان فيه ، وأجل الدين هو الوقت الذي جعله الغريمان محلاً له (١).

قال : والمقتولُ يجوز فيه الأمرانِ لولاه.

أقول : اختلف الناس في المقتول لو لم يقتل ، فقالت المجبرة : إنّه كان يموت قطعاً ، وهو قول أبي الهذيل العلاف.

وقال بعض البغداديين : إنّه كان يعيش قطعاً.

وقال أكثر المحققين : إنّه كان يجوز أنّ يعيش ويجوز أنّ يموت ، ثمّ اختلفوا : فقال قوم منهم (٢) إن من كان المعلوم منه البقاء لو لم يقتل له أجلان.

__________________

(١) أي سبباً لكون الدين حالّا في مقابل كونه مؤجلاً.

(٢) المقصود بعض البغداديين القائلون بأنّه كان يعيش قطعاً لو لا القتل ، فذكروا أنّ له أجلين أجلاً مطلقاً وأجلاً مسمى فالوقت الذي قتل فيه أجل مسمى ، والأجل الذي كان يعيش إليه لو لا القتل ، أجل مطلق.

وإلى ذلك يشير قوله سبحانه : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ (الأنعام : ٢) ، فالأجل المطلق هو الذي كان في إمكان هذا الفرد أن يعيش إليه حسب استعداد بدنه وقواه ، والمسمى هو الأجل الذي لا يتقدم ولا يتأخر.

وقال الجُبّائيان وأصحابهما وأبو الحسين البصري : إنّ أجله هو الوقت الذي قتل فيه وليس له أجل آخر (١) لو لم يقتل ، فما كان يعيش (٢) إليه ليس بأجل له الآن حقيقي بل تقديري.

واحتج الموجبون لموته بأنّه لولاه لزم خلاف معلوم الله (٣) تعالى وهو محال.

واحتج الموجبون لحياته بأنّه لو مات لكان الذابح غنم غيره محسناً إليه ، ولما وجب القود لأنّه لم يفوّت حياته.

والجواب عن الأوّل : ما تقدم من أنّ العلم لا يؤثر في المعلوم (٤).

__________________

(١) يريد أنّ الأجل الذي سمّيناه أجلاً مطلقاً ليس أجلاً حقيقياً بل أجل تقديريّ وأنّه لو لم يُقتل لعاش إلى هذا الحد.

(٢) ما في قوله : «فما» زمانية أي المدّة التي كان يعيش إليه لو لا القتل.

(٣) يريد : أنّه إذا تعلّق علمه بالمسبب أي القتل في وقت كذا ، يجب أن يموت على كل تقدير ، ولو لم يُقتل لمات بسبب آخر.

قال سبحانه : ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ ...﴾ (آل عمران: ١٥٤).

(٤) يعني أنّ علمه سبحانه ليس سبباً للقتل ، بل لوقوعه سبب خاص ، والظاهر أنّ الجواب غير نافع لأنّ الخصم لا يدّعي أنّ علمه سبحانه سبب للقتل وعلّة له حتى يقال العلم تابع كما قالوه عند ردّ كون علمه سبباً للجبر ، بل يدّعي أنّ علمه تعلّق بموته ، أي المسبب ، وافتراض أنّه يعيش لو لم يُقتل ، يخالف علمه الكاشف غير المتخلف.

والأولى أن يقال : إنّه صحيح إذا تعلّق علمه القطعي بموته ، فعند ذلك لو لم يقتل لمات بعامل آخر ، كما في الآية ، ولكن المنكشف لنا ، هو تعلّق علمه بأنّه يموت بالقتل وأمّا أنّه يموت مطلقاً ولو لم يقتل فليس بمنكشف لنا.

وعن الثاني : بمنع الملازمة ، إذ لو ماتت الغنم استحق مالكها عوضاً زائداً على الله تعالى ، فبذبحه فوّت عليه الأعواض (١) الزائدة ، والقود من حيث مخالفة الشارع إذ قتله حرام عليه وإن علم موته ، ولهذا لو أخبر الصادق بموت زيد لم يجز لأحد قتله.

قال : ويجوز أن يكون الأجلُ لطفاً للغير لا للمكلَّف.

أقول : لا استبعاد في أن يكون أجل الإنسان لطفاً لغيره من المكلّفين ولا يمكن أن يكون لطفاً للمكلَّف نفسه لأنّ الأجل يطلق على عمره وحياته ، ويطلق على أجل موته.

أمّا الأوّل : فليس بلطف لأنّه تمكين له من التكليف واللطف زائد على التمكين.

وأمّا الثاني : فهو قطع التكليف ، فلا يصح أن يكلّف بعده فيكونَ لطفاً له فيما يكلّفه من بعد ، واللطف لا يصح أن يكون لطفاً فيما مضى.

المسألة السادسة عشرة : في الأرزاق

قال : والرزقُ ما صحَّ الانتفاع به ولم يكن لأحد منعه منه.

__________________

(١) يريد أنّ ذابح غنم الغير ليس محسناً لأنّه فوّت عليه الأعواض التي هي على الله إذا مات بغير ذبح ، كما عرفت من لزوم العوض على الله عند الآلام والمصائب إذا كانت مستندة إليه سبحانه.