درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۳: مقدمات ۳

 

ورجوع البحث فيهما في الحقيقة إلى البحث عن ثبوت السنّة بخبر الواحد في مسألة حجّيّة الخبر - كما افيد (١) -، وبأيّ الخبرين في باب التعارض، فإنّه أيضاً بحثٌ في الحقيقة عن حجّيّة الخبر في هذا الحال، غيرُ مفيد ؛ فإنّ البحث عن ثبوت الموضوع - وما هو مفاد « كان » التّامّة - ليس بحثاً عن عوارضه، فإنّها مفادُ « كان » الناقصة.

لا يقال: هذا في الثبوت الواقعيّ، وأمّا الثبوت التعبّديّ - كما هو المهمّ في هذه المباحث - فهو في الحقيقة يكون مفاد « كان » الناقصة.

فإنّه يقال: نعم، لكنّه ممّا لايعرض السنّة، بل الخبر الحاكي لها ؛ فإنّ الثبوت التعبّديّ يرجع إلى وجوب العمل على طبق الخبر، كالسنّة المحكيّة به، وهذا من عوارضه لا عوارضها، كما لا يخفى.

وبالجملة: الثبوت الواقعيُّ ليس من العوارض، والتعبّديُّ وإن كان منها إلّا أنّه ليس للسنّة، بل للخبر، فتأمّل جيّداً.

وأمّا إذا كان المراد من السنّة ما يعمُّ حكايتها (٢)، فلأنّ البحث في تلك المباحث وإن كان عن أحوال السنّة بهذا المعنى، إلّا أنّ البحث في غير واحدٍ من مسائلها - كمباحث الألفاظ وجملةٍ من غيرها - لا يخصّ الأدلّة، بل يعمّ غيرها، وإن كان المهمّ معرفة أحوال خصوصها، كما لا يخفى.

تعريف علم الأُصول

ويؤيّد ذلك: تعريف الأُصول بأنّه « العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة »، وإن كان الأَولى تعريفه بأنّه: « صناعة يعرف بها القواعد الّتي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام، أو الّتي ينتهى إليها

__________________

(١) أفاده الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الأُصول ١: ٢٣٨.

(٢) كما أفاده في الفصول: ١١٠.

في مقام العمل » ؛ بناءً على أنّ مسألة حجّيّة الظنّ على الحكومة ومسائل الأُصول العمليّة في الشبهات الحكميّة، من الأُصول، كما هو كذلك ؛ ضرورة أنّه لا وجه لالتزام الاستطراد في مثل هذه المهمّات.

الأمر الثاني
[ الوضع وأقسامه ]

تعريف الوضع

الوضع هو: نحو اختصاصٍ للّفظ بالمعنى وارتباطٍ خاصّ بينهما، ناشٍ من تخصيصه به تارةً، ومن كثرة استعماله فيه أُخرى، وبهذا المعنى صحّ تقسيمه إلى التعيينيّ والتعيّنيّ، كما لا يخفى.

أقسام الوضع الثلاثة

ثمّ إنّ الملحوظ حال الوضع إمّا يكون معنىً عامّاً فيوضع اللفظ له تارةً، ولأفراده ومصاديقه أُخرى، وإمّا يكون معنىً خاصّاً لا يكاد يصحّ إلّا وضعُ اللفظ له دون العامّ ؛ فتكون الأقسام ثلاثة ؛ وذلك لأنّ العامّ يصلحُ لأن يكون

إنكار القسم الرابع من الوضع

آلة للحاظ أفراده ومصاديقه بما هو كذلك، فإنّه من وجوهها، ومعرفةُ وجه الشيء معرفتهُ بوجه (١)، بخلاف الخاصّ، فإنّه - بما هو خاصّ - لا يكونُ وجهاً للعامّ، ولا لسائر الأفراد ؛ فلا يكون معرفته وتصوّره معرفةً له، ولا لها أصلاً ولو بوجهٍ.

نعم، ربما يوجب تصوّره تصوّر العامّ بنفسه، فيوضع له اللفظ، فيكون الوضعُ عامّاً كما كان الموضوع له عامّاً. وهذا بخلاف ما في الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ، فإنّ الموضوع له - وهي الأفراد - لا يكون متصوّراً إلّا

__________________

(١) ورد هذا التوضيح لبيان إمكان القسم الثالث من الوضع في المعالم: ١٢٣.