درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۸: مقدمات ۸

 

في نفسه في الأسماء، وكما لا يكون هذا اللحاظ معتبراً في المستعمل فيه فيها، كذلك اللحاظ في الحروف، كما لا يخفى.

وبالجملة: ليس المعنى في كلمة « من » ولفظ « الابتداء » - مثلاً - إلّا الابتداء ؛ فكما لا يعتبر في معناه لحاظه في نفسه ومستقلاًّ، كذلك لا يعتبر في معناها لحاظهُ في غيرها (١) وآلةً، وكما لا يكون لحاظه فيه موجباً لجزئيّته فليكن كذلك فيها.

الإشكال بعدم بقاء الفرق بين الاسم والحرف في المعنى

إن قلت: على هذا لم يبق فرقٌ بين الاسم والحرف في المعنى، ولزم كونُ مثل كلمة « من » ولفظ « الابتداء » مترادفين، صحّ استعمالُ كلّ منهما في موضع الآخر، وهكذا سائر الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانيها، وهو باطلٌ بالضرورة، كما هو واضح.

الجواب عن الإشكال وبيان الفرق

قلت: الفرق بينهما إنّما هو في اختصاص كلٍّ منهما بوضعٍ، حيث إنّه وُضِعَ الاسم ليُراد منه معناه بما هو هو وفي نفسه، والحرف ليُراد منه معناه لا كذلك، بل بما هو حالةٌ لغيره، كما مرّت الإشارة إليه غير مرّة.

فالاختلافُ بين الاسم والحرف في الوضع يكون موجباً لعدم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخَر، وإن اتّفقا في ما له الوضع. وقد عرفت - بما لا مزيد عليه -: أنّ نحو إرادة المعنى لا يكادُ يمكنُ أن يكون من خصوصيّاته ومقوّماته.

الخبر والإنشاء

ثمّ لا يبعد أن يكون الاختلافُ في الخبر والإنشاء أيضاً كذلك، فيكون

__________________

(١) أدرجنا الكلمة كما هي في الأصل وطبعاته، وفي « ق »: « لحاظه في غيره ». لكنّه استظهر في الهامش ما أثبتناه في المتن.

الخبر موضوعاً ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه (١)، والإنشاء ليستعمل في قصد تحقّقه وثبوته، وإن اتّفقا في ما استعملا فيه، فتأمّل.

أسماء الإشارة والضمائر

ثمّ إنّه قد انقدح ممّا حقّقناه أنّه يمكن أن يقال: إنّ المستعمل فيه في مثل أسماء الإشارة والضمائر أيضاً عامٌّ، وإنّ تشخّصه إنّما نشأ من قِبَلِ طور استعمالها، حيث إنّ أسماء الإشارة وُضِعَت ليشار بها إلى معانيها، وكذا بعضُ الضمائر، وبعضُها ليُخاطب به (٢) المعنى، والإشارة والتخاطب يستدعيان التشخّص، كما لا يخفى.

فدعوى: أنّ المستعمل فيه في مثل: « هذا »، أو « هو »، أو « إيّاك »، إنّما هو المفرد المذكّر، وتشخّصه إنّما جاء من قِبَل الإشارة، أو التخاطب بهذه الألفاظ إليه ؛ فإنّ الإشارة أو التخاطب لا يكاد يكونُ إلّا إلى الشخص أو معه، غير مجازفة.

خلاصة الكلام

فتلخّص ممّا حقّقناه: أنّ التشخّص الناشئ من قِبَل الاستعمالات لا يوجب تشخّص المستعمل فيه، سواءً كان تشخّصاً خارجيّاً - كما في مثل أسماء الإشارة - أو ذهنيّاً - كما في أسماء الأجناس والحروف ونحوهما -، من غير فرقٍ في ذلك أصلاً بين الحروف وأسماء الأجناس.

ولعمري هذا واضح ؛ ولذا ليس في كلام القدماء من كون الموضوع له أو المستعمل فيه خاصّاً في الحرف عينٌ ولا أثرٌ، وإنّما ذهب إليه بعض من تأخّر (٣)،

__________________

(١) ليست الحكاية جزءً للمعنى، بل اللفظ يستعمل في معناه بقصد الحكاية، فالعبارة لا تخلو عن مسامحة. وكذا الكلام في الانشاء. راجع منتهى الدراية ١: ٤٧.

(٢) في « ن »: بها.

(٣) تقدّم تخريجه.