درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۹: مقدمات ۹

 

الخبر موضوعاً ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه (١)، والإنشاء ليستعمل في قصد تحقّقه وثبوته، وإن اتّفقا في ما استعملا فيه، فتأمّل.

أسماء الإشارة والضمائر

ثمّ إنّه قد انقدح ممّا حقّقناه أنّه يمكن أن يقال: إنّ المستعمل فيه في مثل أسماء الإشارة والضمائر أيضاً عامٌّ، وإنّ تشخّصه إنّما نشأ من قِبَلِ طور استعمالها، حيث إنّ أسماء الإشارة وُضِعَت ليشار بها إلى معانيها، وكذا بعضُ الضمائر، وبعضُها ليُخاطب به (٢) المعنى، والإشارة والتخاطب يستدعيان التشخّص، كما لا يخفى.

فدعوى: أنّ المستعمل فيه في مثل: « هذا »، أو « هو »، أو « إيّاك »، إنّما هو المفرد المذكّر، وتشخّصه إنّما جاء من قِبَل الإشارة، أو التخاطب بهذه الألفاظ إليه ؛ فإنّ الإشارة أو التخاطب لا يكاد يكونُ إلّا إلى الشخص أو معه، غير مجازفة.

خلاصة الكلام

فتلخّص ممّا حقّقناه: أنّ التشخّص الناشئ من قِبَل الاستعمالات لا يوجب تشخّص المستعمل فيه، سواءً كان تشخّصاً خارجيّاً - كما في مثل أسماء الإشارة - أو ذهنيّاً - كما في أسماء الأجناس والحروف ونحوهما -، من غير فرقٍ في ذلك أصلاً بين الحروف وأسماء الأجناس.

ولعمري هذا واضح ؛ ولذا ليس في كلام القدماء من كون الموضوع له أو المستعمل فيه خاصّاً في الحرف عينٌ ولا أثرٌ، وإنّما ذهب إليه بعض من تأخّر (٣)،

__________________

(١) ليست الحكاية جزءً للمعنى، بل اللفظ يستعمل في معناه بقصد الحكاية، فالعبارة لا تخلو عن مسامحة. وكذا الكلام في الانشاء. راجع منتهى الدراية ١: ٤٧.

(٢) في « ن »: بها.

(٣) تقدّم تخريجه.

ولعلّه لِتوهُّم كونِ قصده بما هو في غيره من خصوصيّات الموضوع له أو المستعمل فيه، والغفلةِ عن (١) أنّ قصد المعنى من لفظه على أنحائه لا يكادُ يكونُ من شؤونه وأطواره، وإلّا فليكن قصده بما هو هو وفي نفسه كذلك. فتأمّل في المقام، فإنّه دقيقٌ وقد زلّ فيه أقدام غير واحدٍ من أهل التحقيق والتدقيق.

الثالث
[ استعمال اللفظ في ما يناسب معناه ]

قولان في المسألة

صحّة استعمال اللفظ في ما يناسبُ ما وضع له هل هو (٢) بالوضع أو بالطبع ؟

الأظهر أنّ صحة الاستعمال المجازي إنماهي بالطبع

وجهان، بل قولان (٣)، أظهرهما أنّه (٤) بالطبع ؛ بشهادة الوجدان بحُسن الاستعمال فيه ولو مع مَنْعِ الواضع عنه، وباستهجان الاستعمال في ما لا يناسبه ولو مع ترخيصه، ولا معنى لصحّته إلّا حسنه (٥).

والظاهرُ أنّ صحّة استعمال اللفظ في نوعه أو مثله من قبيله. كما تأتي الإشارة إلى تفصيله (٦).

__________________

(١) أثبتنا الكلمة من « ق » و « ش » وفي غيرهما: من.

(٢) في « ق » و « ش »: هي.

(٣) ذهب الى القول الأول المحقق القمي في قوانينه ١: ٦٤ وحكي عن الجمهور أيضاً. ( شرح كفاية الأُصول، للشيخ عبد الحسين الرشتي ١: ١٤ ). واختار الثاني صاحب الفصول في فصوله: ٢٥.

(٤) كذا في الأصل وطبعاته، واستظهر في هامش « ق » أن تكون الكلمة « أنها ».

(٥) لما كان بخير البرهان على صحته شهادة الوجدان بحسه فالاولى أن يقال ولامعنى لحسنه الاصحته ( منتهى الدراية ١ ٥٥.

(٦) في الأمر الرابع.

الرابع
[ إطلاق اللفظ وإرادة نوعه أو صنفه أو مثله أو شخصه ]

صحّة إرادةالنوع أو الصنف أو المثل من اللفظ

لا شبهة في صحّة إطلاق اللفظ وإرادة نوعه به، كما إذا قيل: « ضرب - مثلاً - فِعْلُ ماضٍ (١) » ؛ أو صنفه، كما إذا قيل: « زيدٌ في ( ضرب زيد ) فاعلٌ » إذا لم يقصد به شخص القول ؛ أو مثله كـ « ضرب » (٢) في المثال في ما إذا قُصِدَ.

وقد أشرنا (٣) إلى أنّ صحّة الإطلاق كذلك وحُسْنه إنّما كان بالطبع، لا بالوضع، وإلّا كانت المهملاتُ موضوعةً لذلك ؛ لصحّة الإطلاق كذلك فيها.

والالتزامُ بوضعها كذلك كما ترى.

الإشكال في إرادة شخص اللفظ منه

وأمّا إطلاقه وإرادة شخصه - كما إذا قيل: « زيدٌ لفظٌ »، وأُريد منه شخصُ نفسه - ففي صحّته بدون تأويلٍ نظرٌ ؛ لاستلزامه اتّحادَ الدالّ والمدلول، أو تركّبَ القضيّة من جزءين كما في الفصول (٤).

بيان ذلك: أنّه إن اعتبر دلالته على نفسه حينئذٍ لزم الاتّحاد، وإلّا لزم

__________________

(١) في كونه من المستعمل في نوعه تأمل ؛ إذ المحكيّ به اللفظ الدالّ على الحدث، ولا ينطبق على الحاكي، كما سيظهر من آخر عبارة المتن. ولو قال بدله: « ضرب كلمة » لكان أجود. وكذا الحال في المثال الثاني، ولو قال بدله: « ( زيد ) في ضرب زيد مرفوع » لكان مما استعمل في صنفه. ( حقائق الأُصول ١: ٣١ ) وانظر منتهى الدراية ١: ٥٥.

(٢) الظاهر: أن قوله: « كضرب » سهوٌ من القلم أو من الناسخ، والصحيح أن يقال: « كزيد في المثال... » إلى آخره ؛ إذ الظاهر أنّ ما استعمل في الصنف والمثل شيء واحد، وهو لفظ « زيد » والتفاوت بقصد شخص القول على الثاني، وعدمه على الأوّل. ( كفاية الأُصول مع حواشي المشكيني ١: ١٠٥ ).

(٣) في الأمر السابق.

(٤) الفصول: ٢٢.