درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۴۰: مقدمات ۴۰

 

لها معنى صحّ انطباقه على كلّ واحد من الأزمنة، مع عدم دلالتها على واحدٍ منها أصلاً، فكانت الجملة الفعليّة مثلها.

وربما يؤيِّد ذلك: أنّ الزمان الماضي في فعله، وزمان الحال أو الاستقبال في المضارع لا يكون ماضياً أو مستقبلاً حقيقةً لا محالة، بل ربما يكون في الماضي مستقبلاً حقيقة، وفي المضارع ماضياً كذلك، وإنّما يكون ماضياً أو مستقبلاً في فعلهما بالإضافة، كما يظهر من مثل قوله: « يجي زيدٌ بعد عام وقد ضرب قبلَه بأيّام »، وقوله: « جاء زيدٌ في شهر كذا وهو يضرب في ذلك الوقت، أو في ما بعده ممّا مضى »، فتأمّل جيّداً.

الفرق بين المعنى الحرفي والاسمي

ثمّ لا بأس بصرف عَنانِ الكلام إلى بيان ما به يمتاز الحرف عمّا عداه بما يناسب المقام ؛ لأجل الاطّراد في الاستطراد في تمام الأقسام:

فاعلم: أنّه وإن اشتهر بين الأعلام: أنّ الحرف ما دلّ على معنى في غيره - وقد بيّنّاه في الفوائد (١) بما لا مزيد عليه -، إلّا أنّك عرفت في ما تقدّم (٢) عدمَ الفرق بينه وبين الاسم بحسب المعنى، وأنّه فيهما ما (٣) لم يلحظ فيه الاستقلال بالمفهوميّة، ولا عدم الاستقلال بها.

وإنّما الفرق هو أنّه وُضِع ليُستعمل وأُريد منه معناه حالةً لغيره، وبما هو في الغير، ووُضِعَ غيره ليستعمل وأُريد منه معناه بما هو هو.

وعليه، يكون كلٌّ من الاستقلال بالمفهوميّة وعدم الاستقلال بها إنّما اعتبر في جانب الاستعمال، لا في المستعمل فيه، ليكون بينهما تفاوتٌ بحسب المعنى،

__________________

(١) الفوائد: ٣٠٥.

(٢) في الأمر الثاني من المقدّمة، في بيان وضع الحروف، حيث قال: أنّ حال المستعمل فيه والموضوع له فيها حالهما في الأسماء. راجع الصفحة: ٢٥.

(٣) لا توجد « ما » في بعض الطبعات.

فلفظ « الابتداء » لو استعمل في المعنى الآليّ، ولفظة « من » في المعنى الاستقلاليّ لما كان مجازاً واستعمالاً له في غير ما وضع له، وإن كان بغير ما وضع له.

فالمعنى في كليهما في نفسه كليٌّ طبيعيٌّ يصدق على كثيرين، ومقيّداً باللحاظ الاستقلاليّ أو الآليّ كليٌ (١) عقليٌ (٢)، وإن كان بملاحظة أنّ لحاظَهُ وجودُهُ ذهناً كان (٣) جزئيّاً ذهنيّاً ؛ فإنّ الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد وإن كان بالوجود الذهنيّ.

فافهم وتأمّل في ما وقع في المقام من الأعلام من الخلط والاشتباه، وتوهُّمِ كون الموضوع له أو المستعمل فيه في الحروف خاصّاً، بخلاف ما عداه (٤)، فإنّه عامّ.

وليت شعري، إن كان قصد الآليّة فيها موجباً لكون المعنى جزئيّاً،

__________________

(١) في الأصل: الآليّ الكلّي كلّي.

(٢) اعلم: أنّ الكلّي الطبيعي نفس معروض الكلّية كالحيوان والإنسان، والكلّي العقلي هو الحيوان بوصف الكلّية، وحيث إنّ الكلّية من الاعتبارات العقليّة، فلا محالة لا موطن للموصوف بها بما هو كذلك إلّا في العقل ؛ ولذا وصف بالكلّي العقلي، لا أنّ كلّيته العقليّة بلحاظ تقيّده باللحاظ الاستقلالي أو الآلي - كما في المتن - كيف ؟ واللحاظ - الذي هو وجوده الذهني - مصحّح جزئيّته في الذهن، مع أنّ صيرورته جزئياً ذهنياً بملاحظة تقيّده بالوجود الذهني مسامحة واضحة ؛ إذ الجزئية والكلّية من اعتبارات المعاني والمفاهيم ؛ لأنّ الإباء عن الصدق وعدمه إنّما يعقل في المفهوم لا في الوجود، فالموجود مطلقاً خارج عن المقسم. ( نهاية الدراية ١: ١٨٢ - ١٨٣ ). يلاحظ أيضاً: كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٢٣٤ - ٢٣٥.

(٣) لا يخفى أنّ لفظة « كان » هذه مستغنى عنها. وقوله قدس‌سره: « جزئياً » خبر قوله: « كان » في: « وإن كان بملاحظة » كما هو في غاية الوضوح، نعم، بناءً على كون كلمة « إن » شرطية لا تكون « كان » زائدة، بل جواباً للشرط، لكن هذا الاحتمال في غاية البُعد. ( منتهى الدراية ١: ٢٤٧ ).

(٤) الأولى: تأنيث الضمير ؛ لرجوعه إلى الحروف. ( منتهى الدراية ١: ٢٤٨ ).

فلِمَ لا يكون قصد الاستقلاليّة فيه موجباً له ؟ وهل يكون ذلك إلّا لكون هذا القصد ليس ممّا يعتبر في الموضوع له ولا المستعمل فيه، بل في الاستعمال ؟

فلِمَ لا يكون فيها كذلك ؟ كيف ؟ وإلّا لزم أن يكون معاني المتعلّقات غير منطبقة على الجزئيّات الخارجيّة ؛ لكونها - على هذا - كلّيّات عقليّة، والكلّيّ العقليّ لا موطن له إلّا الذهن، فالسير والبصرة والكوفة في: « سرت من البصرة إلى الكوفة » لا يكاد يصدق على السير والبصرة والكوفة، لتقيُّدِها بما اعتبر فيه القصد، فتصير عقليّة، فيستحيل انطباقها على الامور الخارجيّة.

وبما حقّقناه (١) يوفّق بين جزئيّة المعنى الحرفيّ - بل الاسميّ - والصدْقِ على الكثيرين، وأنّ الجزئيّة باعتبار تقيُّد المعنى باللحاظ في موارد الاستعمالات - آليّاً أو استقلاليّاً -، والكلّية (٢) بلحاظ نفس المعنى.

ومنه ظهر عدمُ اختصاص الإشكال والدفع بالحرف، بل يعمّ غيرَه.

فتأمّل في المقام، فإنّه دقيق ومزالّ الأقدام للأعلام، وقد سبق في بعض الامور (٣) بعض الكلام، والإعادة مع ذلك لما فيها من الفائدة والإفادة، فافهم.

٤ - اختلاف المبادئ لا يوجب اختلافاً في دلالة المشتقّ

رابعها: أنّ اختلاف المشتقّات في المبادئ - وكونَ المبدأ في بعضها حرفةً وصناعةً، وفي بعضها قوةً وملكةً، وفي بعضها فعليّاً - لا يوجب اختلافاً في دلالتها بحسب الهيئة أصلاً، ولا تفاوتاً في الجهة المبحوث عنها (٤)، كما لا يخفى.

__________________

(١) كُتبت هنا في هامش « ن » وبعض الطبعات الأُخرى هذه العبارة: ثمّ إنّه قد انقدح بما ذكرنا: أنّ المعنى - بما هو معنى اسمي وملحوظ استقلالي، أو بما هو معنى حرفي وملحوظ آلي - كلّي عقلي في غير الأعلام الشخصية، وفيها جزئي كذلك، وبما هو هو، أي: بلا أحد اللحاظين كلّي طبيعي أو جزئي خارجي ( نسخة بدل ).

(٢) في غير « ق » و « ش »: كلّيّته.

(٣) في الأمر الثاني من المقدّمة.

(٤) خلافاً لما نسبه المحقّق القمّي ( القوانين ١: ٧٨ - ٧٩ ) إلى بعض المتأخرين، وهو الظاهر من الفصول: ٦١ أيضاً.