درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۴۷: مقدمات ۴۷

 

الأخبار بقوله - تعالى -: ﴿لا ينالُ عَهدِي الظالِمين﴾ (١) على عدم لياقة مَنْ عَبَدَ صنماً أو وثناً لمنصب الإمامة والخلافة، تعريضاً بمن تصدّى لها ممّن عبد الصنم مدّة مديدة. ومن الواضح توقّفُ ذلك على كون المشتقّ موضوعاً للأعمّ، وإلّا لما صحّ التعريض ؛ لانقضاء تلبّسهم بالظلم وعبادتهم للصنم حين التصدّي للخلافة.

الجواب عن الدليل الثالث

والجواب: منع التوقّف على ذلك، بل يتمّ الاستدلال ولو كان موضوعاً لخصوص المتلبّس.

وتوضيح ذلك يتوقّف على تمهيد مقدّمة، وهي: أنّ الأوصاف العنوانيّة - الّتي تؤخذ في موضوعات الأحكام - تكون على أقسام:

أحدها: أن يكون أخذ العنوان لمجرّد الإشارة إلى ما هو في الحقيقة موضوعٌ للحكم ؛ لمعهوديّته بهذا العنوان، من دون دَخْلٍ لاتّصافه به في الحكم أصلاً.

ثانيها: أن يكون لأجل الإشارة إلى علّيّة المبدأ للحكم، مع كفاية مجرّد صحّة جري المشتقّ عليه ولو في ما مضى.

ثالثها: أن يكون لذلك مع عدم الكفاية، بل كان الحكم دائراً مدار صحّةِ الجري عليه، واتّصافه به حدوثاً وبقاءً.

إذا عرفت هذا فنقول: إنّ الاستدلال بهذا الوجه إنّما يتمّ لو كان أخذ العنوان في الآية الشريفة على النحو الأخير ؛ ضرورة أنّه لو لم يكن المشتقّ للأعمّ لما تمّ، بعد عدم التلبّس بالمبدأ ظاهراً حين التصدّي، فلابدّ أن يكون للأعمّ، ليكون حين التصدّي حقيقةً من الظالمين، ولو انقضى عنهم التلبّس بالظلم، وأمّا إذا كان على النحو الثاني، فلا، كما لا يخفى.

__________________

(١) البقرة: ١٢٤.

ولا قرينة على أنّه على النحو الأوّل (١)، لو لم نقل بنهوضها على النحو الثاني ؛ فإنّ الآية الشريفة في مقام بيان جلالة قدر الإمامة والخلافة، وعِظَمِ خَطَرِها، ورفعة محلّها، وأنّ لها خصوصيّة من بين المناصب الإلهيّة، ومن المعلوم أنّ المناسب لذلك هو أن لا يكون المتقمّص بها متلبّساً بالظلم أصلاً، كما لا يخفى.

إن قلت: نعم، ولكن الظاهر أنّ الإمام عليه‌السلام إنّما استدلّ بما هو قضيّة ظاهر العنوان وضعاً، لا بقرينة المقام مجازاً، فلابدّ أن يكون للأعمّ، وإلّا لما تمّ.

قلت: لو سلّم، لم يكن يستلزم جري المشتقّ على النحو الثاني كونَهُ مجازاً، بل يكون حقيقةً لو كان بلحاظ حال التلبّس - كما عرفت - فيكون معنى الآية - والله العالم -: من كان ظالماً ولو آناً في زمان سابق لا ينال عهدي أبداً.

ومن الواضح أنّ إرادة هذا المعنى لا تستلزم الاستعمال لا بلحاظ حال التلبّس.

التفصيل بين المشتقّ المحكوم عليه والمحكوم به والجواب عنه

ومنه قد انقدح ما في الاستدلال على التفصيل بين المحكوم عليه والمحكوم به - باختيار عدم الاشتراط في الأوّل - بآية حدّ السارق والسارقة (٢)، والزاني والزانية (٣). وذلك حيث ظهر أنّه لا ينافي إرادةُ خصوص حال التلبّس دلالَتها على ثبوت القطع والجلد مطلقاً ولو بعد انقضاء المبدأ، مضافاً إلى وضوح بطلان تعدّد الوضع حسب وقوعه محكوماً عليه أو به، كما لا يخفى.

ومن مطاوي ما ذكرنا - هاهنا وفي المقدّمات - ظهر حال سائر الأقوال،

__________________

(١) وهو الذي أشار إليه بقوله: « على النحو الأخير »، وهو ثالث الأقسام التي ذكرها في المقدّمة. ( منتهى الدراية ١: ٢٩٩ ).

(٢) ﴿ السارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾. المائدة: ٣٨.

(٣) ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مَائَةَ جَلْدَة﴾. النور: ٢.

وما ذكر لها من الاستدلال، ولا يسع المجال لتفصيلها، ومن أراد الاطّلاع عليها فعليه بالمطوّلات.

تنبيهات:

بقي أُمور:

١ - بساطة المشتق واستدلال المحقّق الشريف عليه

الأوّل: أنّ مفهوم المشتقّ - على ما حقّقه المحقّق الشريف في بعض حواشيه - بسيطٌ منتزعٌ عن الذات، باعتبار تلبُّسها بالمبدأ واتّصافها به، غيرُ مركّب.

وقد أفاد في وجه ذلك: أنّ مفهوم الشيء لا يعتبر في مفهوم الناطق - مثلاً -، وإلّا لكان العرض العامّ داخلاً في الفصل، ولو اعتبر فيه ما صدق عليه الشيء، انقلبت مادّة الإمكان الخاصّ ضرورةً ؛ فإنّ الشيء الّذي له الضحك هو الإنسان، وثبوت الشيء لنفسه ضروريّ.

هذا ملخّص ما أفاده الشريف (١) على ما لخّصه بعض الأعاظم (٢).

إيراد الفصول على كلام المحقّق الشريف والمناقشة فيه

وقد أُورد عليه في الفصول ب: « أنّه يمكن أن يختار الشقّ الأوّل، ويدفع الإشكال بأنّ كون الناطق - مثلاً - فصلاً مبنيٌّ على عرف المنطقيّين، حيث اعتبروه مجرّداً عن مفهوم الذات، وذلك لا يوجب وضعه لغةً كذلك » (٣).

وفيه: أنّه من المقطوع أنّ مثل الناطق قد اعتبر فصلاً بلا تصرّف في معناه أصلاً، بل بما له من المعنى، كما لا يخفى.

إيراد المصنّف على الشريف

والتحقيق أن يقال: إنّ مثل الناطق ليس بفصلٍ حقيقيٍّ، بل لازِمُ ما هو الفصل وأظهرُ خواصّه، وإنّما يكون فصلاً مشهوريّاً منطقيّاً يوضع مكانه إذا لم يُعلم نفسُه، بل لا يكاد يُعلم، كما حُقّق في محلّه (٤)، ولذا ربما يجعل لازِمان

__________________

(١) شرح المطالع: ١١ ( الهامش ).

(٢) بدائع الأفكار: ١٧٤، وراجع الفصول: ٦١.

(٣) الفصول: ٦١.

(٤) الأسفار ٢: ٢٥، الفصل الخامس في معرفة الفصل، شرح المنظومة: ( قسم الفلسفة ) ١٠٠.