درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۶۳: اوامر ۱۰

 

دعوى ظهور لصيغة في الوجوب و الكلام فيها

قيل بظهورها فيه ؛ إمّا لغلبة الاستعمال فيه، أو لغلبة وجوده، أو أكمليّته (١).

والكلّ كما ترى ؛ ضرورةَ أنّ الاستعمال في الندب، وكذا وجوده ليس بأقلّ لو لم يكن بأكثر.

وأمّا الأكمليّة فغيرُ موجبةٍ للظهور ؛ إذ الظهور لا يكاد يكون إلّا لشدّة انس اللفظ بالمعنى، بحيث يصير وجهاً له، ومجرّد الأكمليّة لا يوجبه، كما لا يخفى.

مقتضى إطلاق الصيغة هوالحمل على الوجوب

نعم، في ما كان الآمر بصدد البيان فقضيّة مقدّمات الحكمة هو الحمل على الوجوب ؛ فإنّ الندب كأنّه يحتاج إلى مؤونة بيان التحديد، والتقييد بعدم المنع من الترك، بخلاف الوجوب، فإنّه لا تحديد فيه للطلب ولا تقييد، فإطلاقُ اللفظ وعدم تقييده مع كون المطلِق في مقام البيان كافٍ في بيانه، فافهم.

المبحث الخامس

إطلاق الصيغة هل يقتضي التوصلية أم لابدّ من الرجوع إلى الأُصول ؟

إنّ إطلاق الصيغة (٢) هل يقتضي كونَ الوجوب توصّليّاً - فيجزئ إتيانه مطلقاً، ولو بدون قصد القربة - أو لا - فلابدّ من الرجوع في ما شكّ في تعبّديّته وتوصّليّته إلى الأصل - ؟

لابدّ في تحقيق ذلك من تمهيد مقدّمات:

١ - معنى الواجب التوصّلي والتعبّدي

إحداها: الوجوبُ التوصّليّ هو ما كان الغرض منه يحصل بمجرّد حصول

__________________

(١) ادّعى المحقّق الإصفهاني في هداية المسترشدين ١: ٥٩٤ و٦٠٥ إنصراف الصيغة إلى الوجوب من جهة أكمليّته.

(٢) الظاهر: عدم اختصاص هذا البحث بالصيغة، بل يجري في غيرها ممّا قُصد به الأمر، كما لا يخفى وجهه. ( منتهى الدراية ١: ٤٥٦ ).

الواجب، ويسقط بمجرّد وجوده، بخلاف التعبّديّ، فإنّ الغرض منه لا يكاد يحصل بذلك، بل لابدّ - في سقوطه وحصول غرضه - من الإتيان به متقربّاً به منه - تعالى -.

٢ - امتناع أخذقصد الامتثال شرعاً في متعلق الأمر

ثانيتها: إنّ التقرّب المعتبر في التعبّديّ إن كان بمعنى قصد الإمتثال، والإتيان بالواجب بداعي أمره، كان ممّا يعتبر في الطاعة عقلاً، لا ممّا أُخذ في نفس العبادة شرعاً ؛ وذلك لاستحالة أخذ ما لا يكاد يتأتّى إلّا من قِبَل الأمر بشيءٍ في متعلّق ذاك الأمر مطلقاً - شرطاً أو شطراً -. فما لم تكن نفس الصّلاة متعلّقةً للأمر لا يكاد يمكن إتيانها بقصد امتثال أمرها.

توهّم إمكان اعتبار قصد القربة في العبادة و المناقشة فيه

وتوهُّمُ إمكان تعلّق الأمر بفعل الصلاة بداعي الأمر، وإمكانِ الإتيان بها بهذا الداعي ؛ ضرورةَ إمكانِ تصوّر الآمر لها (١) مقيّدةً، والتمكّنِ من إتيانها كذلك بعدَ تعلُّقِ الأمر بها، والمعتبرُ من القدرة المعتبرة عقلاً في صحّة الأمر إنّما هو في حال الإمتثال، لا حال الأمر.

واضح الفساد ؛ ضرورةَ أنّه وإن كان تصوّرها كذلك بمكانٍ من الإمكان، إلّا أنّه لا يكاد يمكن الإتيان بها بداعي أمرها ؛ لعدم الأمر بها، فإنّ الأمر حَسَب الفرض تعلَّقَ بها مقيّدةً بداعي الأمر، ولا يكاد يدعو الأمر إلّا إلى ما تعلّق به، لا إلى غيره.

إن قلت: نعم، ولكن نفس الصلاة أيضاً صارت مأموراً بها بالأمر بها مقيّدةً.

قلت: كلّا ؛ لأنّ ذات المقيّد لا تكون مأموراً بها ؛ فإنّ الجزء التحليليّ العقليّ لا يتّصف بالوجوب أصلاً، فإنّه ليس إلّا وجودٌ واحدٌ واجبٌ (٢)

__________________

(١) كذا في الأصل وحقائق الأُصول ومنتهى الدراية، وفي سائر الطبعات: تصوّر الأمر بها.

(٢) في هامش « ش » أُدرجت العبارة هكذا: إلّا وجوداً واحداً واجباً ( نسخة بدل ).

بالوجوب النفسيّ، كما ربما يأتي في باب المقدّمة (١).

إن قلت: نعم، لكنّه إذا أُخذ قصد الامتثال شرطاً، وأمّا إذا أُخذ شطراً فلا محالة نفس الفعل الّذي تعلّق الوجوبُ به مع هذا القصد يكون متعلّقاً للوجوب ؛ إذ المركّب ليس إلّا نفس الأجزاء بالأسر، ويكون تعلُّقُه بكلٍّ بعين تعلّقه بالكلّ، ويصحّ أن يؤتى به بداعي ذاك الوجوب ؛ ضرورةَ صحّة الإتيان بأجزاء الواجب بداعي وجوبه.

قلت: - مع امتناع اعتباره كذلك ؛ فإنّه يوجب تعلّق الوجوب بأمرٍ غير اختياريّ ؛ فإنّ الفعل وإن كان بالإرادة اختياريّاً، إلّا أنّ إرادتَهُ حيث لا تكون بإرادة أُخرى - وإلّا لتسلسلت - ليست باختياريّة، كما لا يخفى - إنّما يصحّ الإتيان بجزء الواجب بداعي وجوبه في ضمن إتيانه بهذا الداعي، ولا يكاد يمكن الإتيانُ بالمركّب من قصد الامتثال (٢) بداعي امتثال أمره.

دفع الإشكال بتعدّد الأمر و الجواب عنه

إن قلت: نعم، لكن هذا كلّه إذا كان اعتباره في المأمور به بأمرٍ واحدٍ، وأمّا إذا كان بأمرين - تعلّق أحدهما بذات الفعل، وثانيهما بإتيانه بداعي أمره - فلا محذور أصلاً، كما لا يخفى (٣)، فللآمر أن يتوسّل بذلك في الوصلة إلى تمام غرضه ومقصده بلا شبهة (٤).

__________________

(١) لعلّه إشارة إلى ما يأتي منه في تقسيم المقدّمة إلى الداخليّة والخارجية ؛ حيث قال: فانقدح بذلك فساد توهّم اتّصاف كل جزء من أجزاء الواجب بالوجوب النفسي والغيري باعتبارين... انظر الصفحة: ١٣١.

(٢) في الأصل و « ن »: عن قصد الامتثال. وفي سائر الطبعات كما أثبتناه.

(٣) هذا ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاري كما في مطارح الأنظار ١: ٣٠٣. وراجع بدائع الأفكار: ٣٣٥.

(٤) أدرجنا ما في الأصل، وفي « ن » وأكثر الطبعات: بلا مَنَعَة، وفي هامش « ق » و « ش »: بلا تبعة ( نسخة بدل ).