درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۷۱: اوامر ۲۱

 

فيقال عند ذلك: وعلى تقدير تعلُّقِهِ بالفرد هل يقتضي التعلّقَ بالفرد الواحد أو المتعدّد، أو لا يقتضي شيئاً منهما ؟ ولم يحتج إلى إفراد كلٍّ منهما بالبحث كما فعلوه ». وأمّا لو أُريد بها الدفعة فلا عُلقة بين المسألتين كما لا يخفى (١).

فاسدٌ ؛ لعدم العلقة بينهما لو أُريد بها الفردُ أيضاً، فإنّ الطلب - على القول بالطبيعة - إنّما يتعلّق بها باعتبار وجودها في الخارج ؛ ضرورةَ أنّ الطبيعة من حيث هي ليست إلّا هي، لا مطلوبة ولا غير مطلوبة.

وبهذا الاعتبار كانت مردّدةً بين المرّة والتكرار بكلا المعنيين. فيصحّ النزاع في دلالة الصيغة على المرّة والتكرار بالمعنيين وعدمها:

أمّا بالمعنى الأوّل فواضحٌ.

وأمّا بالمعنى الثاني فلوضوح أنّ المراد من الفرد أو الأفراد وجودٌ واحدٌ أو وجودات، وإنّما عُبِّر بالفرد ؛ لأنّ وجود الطبيعة في الخارج هو الفرد، غاية الأمر خصوصيّته وتشخّصه - على القول بتعلّق الأمر بالطبائع - يلازم المطلوب وخارجٌ عنه، بخلاف القول بتعلّقه بالأفراد، فإنّه ممّا يقوّمه.

ثمرة البحث في المرّة والتكرار

تنبيه (٢):

لا إشكال بناءً على القول بالمرّة في الامتثال، وأنّه لا مجال للإتيان بالمأمور به ثانياً على أن يكون أيضاً به الامتثال، فإنّه من الامتثال بعد الامتثال.

وأمّا على المختار - من دلالتها على طلب الطبيعة من دون دلالةٍ على المرّة ولا على التكرار - فلا تخلو الحالُ: إمّا أن لا يكون هناك إطلاق الصيغة

__________________

(١) هذا ما توهّمه في الفصول: ٧١، وما بين الأقواس هو نصّ كلامه.

(٢) ذكره في الفصول: ٧١ بعنوان: تذنيب.

في مقام البيان - بل في مقام الإهمال أو الإجمال -، فالمرجع هو الأصل، وإمّا أن يكون إطلاقها في ذلك المقام، فلا إشكال في الاكتفاء بالمرّة في الامتثال.

وإنّما الإشكال في جواز أن لا يقتصر عليها، فإنّ لازم إطلاق الطبيعة المأمور بها هو الإتيان بها مرّةً أو مراراً، لا لزوم الاقتصار على المرّة، كما لا يخفى.

والتحقيق: أنّ قضيّة الإطلاق إنّما هو جواز الإتيان بها مرّةً في ضمن فردٍ أو أفراد، فيكون إيجادها في ضمنها نحواً من الامتثال، كإيجادها في ضمن الواحد، لا جواز الإتيان بها مرّةً ومرّات ؛ فإنّه مع الإتيان بها مرّةً لا محالة يحصل الامتثال، ويسقط به الأمر، في ما إذا كان امتثال الأمر علّةً تامّةً (١) لحصول الغرض الأقصى، بحيث يحصل بمجرّده، فلا يبقى معه مجالٌ لإتيانه ثانياً بداعي امتثال آخر، أو بداعي أن يكون الإتيانان امتثالاً واحداً ؛ لما عرفت من حصول الموافقة بإتيانها، وسقوطِ الغرض معها، وسقوط الأمر بسقوطه، فلا يبقى مجال لامتثاله أصلاً.

وأمّا إذا لم يكن الامتثال علّةً تامّةً لحصول الغرض، كما إذا أمر بالماء ليشرب أو يتوضّأ، فاتي به ولم يشرب أو لم يتوضّأ فعلاً، فلا يبعد صحّة تبديل الامتثال بإتيان فردٍ آخر أحسن منه، بل مطلقاً، كما كان له ذلك قبله، على ما يأتي بيانه في الإجزاء (٢).

__________________

(١) في العبارة مسامحة ؛ لأنّ الامتثال علّة تامّة دائماً، والوجه: التعبير ب: الإتيان. ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٣٩٩ ).

(٢) في الموضع الأول من مبحث الإجزاء، قوله: نعم، لا يبعد أن يقال: بأنّه يكون للعبد تبديل الامتثال والتعبد به ثانياً... راجع الصفحة: ١٢١.

المبحث التاسع

عدم دلالة الصيغة على الفور أو التراخي

ألحقّ: أنّه لا دلالة للصيغة لا على الفور ولا على التراخي. نعم، قضيّة إطلاقها جواز التراخي.

أدلّة وجوب الفور و الإشكال فيها

والدليل عليه: تبادُرُ طَلَبِ إيجاد الطبيعة منها بلا دلالةٍ على تقييدها بأحدهما، فلابدّ في التقييد من دلالةٍ أُخرى، كما ادُّعي (١) دلالةُ غيرِ واحدٍ من الآيات على الفوريّة.

وفيه منعٌ ؛ ضرورةَ أنّ سياق آية ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُم﴾ (٢) وكذا آية ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ (٣) إنّما هو البعث نحو المسارعة إلى المغفرة والاستباق إلى الخير، من دون استتباع تركهما للغضب والشرّ ؛ ضرورةَ أنّ تركهما لو كان مستتبعاً للغضب والشرّ كان البعث بالتحذير عنهما أنسب، كما لا يخفى، فافهم.

مع لزوم كثرة تخصيصه في المستحبّات وكثير من الواجبات، بل أكثرِها، فلابدّ من حمل الصيغة فيهما على خصوص الندب أو مطلق الطلب.

ولا يبعد دعوى: استقلال العقل بحُسن المسارعة والاستباق، وكان ما ورد من الآيات والروايات (٤) في مقام البعث نحوه إرشاداً إلى ذلك – كالآيات والروايات الواردة في الحثّ على أصل الإطاعة -، فيكون الأمر فيها لما يترتّب على المادّة بنفسها، ولو لم يكن هناك أمرٌ بها، كما هو الشأن في الأوامر الإرشاديّة، فافهم.

__________________

(١) راجع الإحكام ( لابن حزم ) ٣: ٢٩٤ وما بعدها.

(٢) آل عمران: ١٣٣.

(٣) البقرة: ١٤٨.

(٤) وسائل الشيعة ١: ١١١، الباب ٢٧ من أبواب مقدّمة العبادات. ( باب استحباب تعجيل فعل الخير وكراهة تأخيره ).