درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۸۶: مقدمه واجب ۶

 

فليس إشكال انخرام القاعدة العقليّة مختصّاً بالشرط المتأخّر في الشرعيّات - كما اشتهر في الألسنة -، بل يعمّ الشرطَ والمقتضي المتقدّمَين المتصرّمين حين الأثر.

التحقيق في رفع الإشكال:

والتحقيق في رفع هذا الإشكال أن يقال: إنّ الموارد الّتي تُوهّم انخرام القاعدة فيها لا يخلو: إمّا أن يكون المتقدّم أو المتأخّر شرطاً للتكليف، أو الوضع، أو المأمور به.

الجواب عن الإشكال في شرط التكليف والوضع

أمّا الأوّل: فكونُ أحدهما شرطاً له ليس إلّا أنّ للحاظه دخلاً في تكليف الآمر، كالشرط المقارن بعينه، فكما أنّ اشتراطه بما يقارنه ليس إلّا أنّ لتصوّره دخلاً في أمره، بحيث لولاه لما كاد يحصل له الداعي إلى الأمر، كذلك المتقدّم أو المتأخّر.

وبالجملة: حيث كان الأمر من الأفعال الاختياريّة، كان من مبادئه - بما هو كذلك - تصوُّرُ الشيء بأطرافه، ليرغب في طلبه والأمر به، بحيث لولاه لما رغب فيه، ولَما أراده واختاره، فيسمّى كلُّ واحد من هذه الأطراف - الّتي لتصوّرها دخْلٌ في حصول الرغبة فيه وإرادته -: « شرطاً » ؛ لأجل دخْلِ لحاظه في حصوله (١)، كان مقارناً له أو لم يكن كذلك، متقدّماً أو متأخّراً، فكما في المقارن يكون لحاظه في الحقيقة شرطاً، كان فيهما كذلك، فلا إشكال.

وكذا الحال في شرائط الوضع مطلقاً، ولو كان مقارناً ؛ فإنّ دَخْلَ شيءٍ في الحكم به، وصحّةِ انتزاعه لدى الحاكم به، ليس إلّا ما كان بلحاظه يصحّ انتزاعه، وبدونه لا يكاد يصحّ اختراعه عنده، فيكون دخل كلٍّ من المقارن

__________________

(١) أي: حصول الرغبة، فالأولى: تأنيث الضمير. ( منتهى الدراية ٢: ١٣٦ ).

وغيره بتصوّره ولحاظه، وهو مقارن. فأين انخرام القاعدة العقليّة في غير المقارن ؟ فتأمّل تعرف.

الجواب عن الإشكال في شرط المأمور به

وأمّا الثاني: فكون شيءٍ شرطاً للمأمور به (١) ليس إلّا (٢) ما يحصّل لذات المأمور به بالإضافة إليه وجهاً وعنواناً (٣)، به يكون حَسَناً أو متعلّقاً للغرض، بحيث لولاها لما كان كذلك.

واختلاف الحُسن والقبح والغرض باختلاف الوجوه والاعتبارات الناشئة من الإضافات، ممّا لا شبهة فيه ولا شكّ يعتريه.

والإضافة كما تكون إلى المقارن، تكون إلى المتأخّر أو المتقدّم بلا تفاوتٍ أصلاً، كما لا يخفى على المتأمّل.

فكما تكون إضافة شيءٍ إلى مقارنٍ له موجباً لكونه معنوناً بعنوان، يكون بذلك العنوان حَسَناً ومتعلّقاً للغرض، كذلك إضافته إلى متأخّر أو متقدّم ؛ بداهةَ أنّ الإضافة إلى أحدهما ربما توجب ذلك أيضاً، فلولا حدوث المتأخّر في محلّه لما كانت للمتقدّم تلك الإضافةُ الموجبة لحُسنه الموجِب لطلبه

__________________

(١) لا يخفى: أنّ قضيّة العبارة هو جعله ثالثاً، إلّا أنّه لمّا قاس الوضع على التكليف من غير إفراده بعنوان مستقل جعل شرط المأمور به أمراً ثانياً. ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٤٧٢ ). وراجع حقائق الأُصول ١: ٢٢٦، ومنتهى الدراية ٢: ١٤٥.

(٢) في « ش »: ليس إلّا ( أنّ - نسخة بدل ).

(٣) وردت هذه العبارة بصياغات مختلفة في أصل الكتاب وطبعاته وشروحه:

- فالذي أثبتناه هو الوارد في الأصل وحقائق الأُصول ومنتهى الدراية، ولكن كتبت في الأصل فوق « وجهاً وعنواناً »: « وجهٌ وعنوانٌ ».

- وفي « ن » وبعض الطبعات: وجه وعنوان.

- وفي « ر »: ليس إلّا أنّ ما يحصل... وجهٌ مّا وعنوانٌ مّا.