درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۸۸: مقدمه واجب ۸

 

والأمرِ به، كما هو الحال في المقارن أيضاً، ولذلك اطلق عليه الشرط مثله، بلا انخرام للقاعدة أصلاً ؛ لأنّ المتقدّم أو المتأخّر - كالمقارن - ليس إلّا طرف الإضافة الموجبة للخصوصيّة الموجبة للحُسن، وقد حُقّق في محلّه أنّه بالوجوه والاعتبارات، ومن الواضح أنّها تكون بالإضافات.

فمنشأ توهّم الانخرام: إطلاق الشرط على المتأخّر، وقد عرفت أنّ إطلاقه عليه فيه - كإطلاقه على المقارن - إنّما يكون لأجل كونه طرفاً للإضافة الموجبة للوجه، الّذي يكون بذاك الوجه مرغوباً ومطلوباً، كما كان في الحكم لأجل دَخْلِ تصوّره فيه، كدخل تصوُّرِ سائر الأطراف والحدود الّتي لولا لحاظُها لما حصل له الرغبة في التكليف، أو لما صحّ عنده الوضع.

وهذه خلاصة ما بسطناه من المقال في دفع هذا الإشكال في بعض فوائدنا (١)، لم يسبقني إليه أحد في ما أعلم، فافهم واغتنم.

ولا يخفى: أنّها بجميع أقسامها داخلة في محلّ النزاع (٢)، وبناءً على الملازمة يتّصف اللاحق بالوجوب، كالمقارن والسابق ؛ إذ بدونه لا تكاد تحصل الموافقة، ويكون سقوط الأمر بإتيان المشروط به مراعى بإتيانه، فلولا اغتسالها في الليل - على القول بالاشتراط - لما صحّ الصوم في اليوم.

__________________

(١) الفوائد: ٣٠١ - ٣٠٣.

(٢) المراد من الجميع ليس جميع الأقسام التسعة المتقدمة، كما قد توهمه العبارة، بل المراد: أقسام خصوص شرط المأمور به، وأمّا شروط التكليف فلا يعقل اتصافها بالوجوب... وشروط الوضع خارجة - أيضاً - ؛ لعدم وجوبه حتّى تتصف مقدّماته به على الملازمة، نعم ربما يتعلق به الأمر، فيدخل في محلّ النزاع ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٤٧٧ ).

تقسيمات الواجب

الأمر الثالث: في تقسيمات الواجب

الواجب المطلق والمشروط

منها: تقسيمه إلى المطلق والمشروط.

وقد ذُكر لكلّ منهما تعريفات وحدود، تختلف بحسب ما أُخذ فيها من القيود، وربما اطيل الكلام بالنقض والإبرام في النقض على الطرد والعكس (١)، مع أنّها - كما لا يخفى - تعريفات لفظيّة لشرح الاسم، وليست بالحدّ ولا بالرسم.

والظاهر: أنّه ليس لهم اصطلاح جديدٌ في لفظ « المطلق » و « المشروط »، بل يطلق كلّ منهما بما له من معناه العرفيّ.

كما أنّ الظاهر: أنّ وصفي الإطلاق والاشتراط وصفان إضافيّان، لا حقيقيّان (٢)، وإلّا لم يكد يوجد واجب مطلق ؛ ضرورةَ اشتراط وجوب كلّ واجب ببعض الامور، لا أقلّ من الشرائط العامّة، كالبلوغ والعقل.

فالحريّ أن يقال: إنّ الواجب مع كلّ شيءٍ يلاحظ معه: إن كان وجوبه غيرَ مشروط به فهو مطلقٌ بالإضافة إليه، وإلّا فمشروط كذلك، وإن كانا بالقياس إلى شيءٍ آخر (٣) بالعكس.

رجوع الشرط في الواجب المشروط إلى نفس الوجوب

ثمّ الظاهر: أنّ الواجب المشروط - كما أشرنا إليه - نفسُ (٤) الوجوب فيه مشروطٌ بالشرط، بحيث لا وجوب حقيقةً ولا طلبَ واقعاً قَبْلَ حصول الشرط، كما هو ظاهر الخطاب التعليقيّ ؛ ضرورةَ أنّ ظاهر خطاب « إن جاءك زيدٌ فأكرمه » كونُ الشرط من قيود الهيئة، وأنّ طلب الإكرام وإيجابَه معلَّقٌ

__________________

(١) راجع مطارح الأنظار ١: ٢٢٣ - ٢٢٩، وبدائع الأفكار: ٣٠٤.

(٢) صرّح بذلك في مطارح الأنظار ١: ٢٢٦.

(٣) أثبتنا العبارة كما وردت في « ق »، وفي حقائق الأُصول: « وإن كان... كانا بالعكس »، وفي « ش »: « وإن كان... بالعكس » وفي غيرها: « وإن كانا... كانا بالعكس ».

(٤) في غير « ق »، « ش » ومنتهى الدراية: إنّ نفس.

على المجيء، لا أنّ الواجب فيه يكون مقيّداً به - بحيث يكون الطلب والإيجاب في الخطاب فعليّاً ومطلقاً، وإنّما الواجب يكون خاصّاً ومقيّداً -، وهو الإكرام

كلام الشيخ الأنصاري في رجوع الشرط إلى الواجب

على تقدير المجيء، فيكون الشرط من قيود المادّة لا الهيئة، كما نُسب ذلك إلى شيخنا العلّامة - أعلى الله مقامه - مدّعياً امتناعَ (١) كون الشرط من قيود الهيئة واقعاً (٢)، ولزومَ كونه من قيود المادّة لُبّاً، مع الاعتراف بأنّ قضيّة القواعد العربيّة أنّه من قيود الهيئة ظاهراً:

أمّا امتناع كونه من قيود الهيئة: فلأنّه لا إطلاق في الفرد الموجود من الطلب المتعلّق بالفعل المنشَأ بالهيئة، حتّى يصحّ القول بتقييده بشرطٍ ونحوه، فكلُّ ما يحتمل رجوعه إلى الطلب الّذي يدلّ عليه الهيئة، فهو - عند التحقيق - راجعٌ إلى نفس المادّة.

وأمّا لزوم كونه من قيود المادّة لُبّاً: فلأنّ العاقل إذا توجّه إلى شيءٍ والتفت إليه: فإمّا أن يتعلّق طلبه به، أو لا يتعلّق به طلبه أصلاً، لا كلام على الثاني.

وعلى الأوّل: فإمّا أن يكون ذاك الشيء مورداً لطلبه وأمره مطلقاً على اختلاف طوارئه، أو على تقدير خاصّ، وذلك التقدير: تارةً يكون من الامور الاختياريّة، وأُخرى لا يكون كذلك.

وما كان من الامور الاختياريّة: قد يكون مأخوذاً فيه على نحوٍ يكون مورداً للتكليف، وقد لا يكون كذلك، على اختلاف الأغراض الداعية إلى طلبه

__________________

(١) في غير « ر »: لامتناع.

(٢) يعني: حقيقةً، وإلّا فليس المراد منه مقام الثبوت ؛ إذ هذا مفروض في مقام الاثبات ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٤٨٩ ).