درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۱۰۳: مقدمه واجب ۲۳

 

ثمّ إنّه لا إشكال في ما إذا عُلم بأحد القسمين.

حكم الشك في النفسيّة والغيريّة

وأمّا إذا شكّ في واجبٍ أنّه نفسيٌّ أو غيريٌّ، فالتحقيق: أنّ الهيئة وإن كانت موضوعةً لما يعمُّهما، إلّا أنّ إطلاقها يقتضي كونَه نفسيّاً ؛ فإنّه لو كان شرطاً لغيره لوجب التنبيه عليه على المتكلّم الحكيم.

إشكال الشيخ الأنصاري في المقام والجواب عنه

وأمّا ما قيل (١) من أنّه: « لا وجه للاستناد إلى إطلاق الهيئة لدفع الشكّ المذكور، بعد كون مفادها الأفراد الّتي لا يعقل فيها التقييد. نعم، لو كان مفاد الأمر هو مفهوم الطلب صحّ القولُ بالإطلاق، لكنّه بمراحل عن الواقع ؛ إذ لا شكّ في اتّصاف الفعل بالمطلوبيّة بالطلب المستفاد من الأمر، ولا يعقل اتّصاف المطلوب بالمطلوبيّة بواسطة مفهوم الطلب ؛ فإنّ الفعل يصير مراداً بواسطة تعلّق واقع الإرادة وحقيقتها، لا بواسطة مفهومها. وذلك واضح لا يعتريه ريب ».

ففيه: أنّ مفاد الهيئة - كما مرّت الإشارة إليه - ليس الأفراد، بل هو مفهوم الطلب - كما عرفت تحقيقه في وضع الحروف (٢) -، ولا يكاد يكون فردَ الطلب الحقيقيّ (٣)، والّذي يكون بالحمل الشائع طلباً، وإلّا لما صحّ إنشاؤه بها ؛ ضرورةَ أنّه من الصفات الخارجيّة الناشئة من الأسباب الخاصّة. نعم، ربما يكون هو السبب لإنشائه، كما يكون غيره أحياناً.

واتّصاف الفعل بالمطلوبيّة الواقعيّة والإرادةِ الحقيقيّة - الداعيةِ إلى إيقاع

__________________

(١) قاله الشيخ الأعظم الأنصاريّ على ما في مطارح الأنظار ١: ٣٣٣.

(٢) في الأمر الثاني من مقدّمة الكتاب.

(٣) الأولى: إسقاط كلمة « فرد » ؛ لأنّ الطلب الحقيقي بنفسه فردٌ لمفهوم الطلب، ولا معنى لكون شيءٍ فرداً لهذا الفرد، بعد كون أفراد كل طبيعة متباينة، ولعلّ في العبارة سقطاً وكانت هكذا: ولا يكاد يكون فرده وهو الطلب الحقيقي، أو.... ( منتهى الدراية ٢: ٢٤١ ).

طلبه، وإنشاء إرادته بعثاً نحوَ مطلوبه الحقيقيّ، وتحريكاً إلى مراده الواقعيّ - لا ينافي اتّصافَه بالطلب الإنشائيّ أيضاً. والوجودُ الإنشائيّ لكلّ شيءٍ ليس إلّا قصد حصول مفهومه بلفظه، كان هناك طلبٌ حقيقيٌّ أو لم يكن، بل كان إنشاؤه بسببٍ آخر.

ولعلّ منشأ الخلط والاشتباه: تعارف التعبير عن مفاد الصيغة بالطلب المطلق، فتُوهِّم منه أنّ مفاد الصيغة يكون طلباً حقيقيّاً، يصدق عليه الطلب بالحمل الشائع.

ولعمري أنّه من قبيل اشتباه المفهوم بالمصداق، فالطلب الحقيقيّ إذا لم يكن قابلاً للتقييد لا يقتضي أن لا يكون مفاد الهيئة قابلاً له، وإن تعارف تسميته بالطلب أيضاً. وعدم تقييده بالإنشائيّ لوضوح إرادة خصوصه، وأنّ الطلب الحقيقيّ لا يكاد ينشأ بها، كما لا يخفى.

فانقدح بذلك: صحّة تقييد مفاد الصيغة بالشرط، كما مرّ هاهنا بعض الكلام (١)، وقد تقدّم في مسألة اتّحاد الطلب والإرادة (٢) ما يُجدي في المقام.

هذا إذا كان هناك إطلاق، وأمّا إذا لم يكن، فلابدّ من الإتيان به في ما إذا كان التكليف بما احتمل كونه شرطاً له فعليّاً ؛ للعلم بوجوبه فعلاً، وإن لم يُعلم جهة وجوبه، وإلّا فلا (٣) ؛ لصيرورة الشكّ فيه بدويّاً، كما لا يخفى.

__________________

(١) في الواجب المطلق والمشروط، عند الكلام عن دوران القيد بين رجوعه إلى الهيئة أو المادّة.

(٢) في بداية الجهة الرابعة من الجهات المتعلّقة بمادّة الأمر، حيث أفاد: أنّ... معنى الأمر ليس هو الطلب الحقيقي... بل الطلب الإنشائي. راجع الصفحة: ٩٣.

(٣) الأولى بسلاسة العبارة أن يقول: وإن لم يكن التكليف به فعلياً، فلا يجب الإتيان به. ( منتهى الدراية ٢: ٢٤٩ ).

تذنيبان:

١ - الكلام في استحقاق الثواب والعقاب على امتثال الأمر الغيري ومخالفته

الأول: لا ريب في استحقاق الثواب على امتثال الأمر النفسيّ وموافقته، واستحقاق العقاب على عصيانه ومخالفته عقلاً.

وأمّا استحقاقهما على امتثال الغيريّ ومخالفته ففيه إشكالٌ، وإن كان التحقيق عدمَ الاستحقاق على موافقته ومخالفته بما هو موافقةٌ ومخالفة ؛ ضرورةَ استقلال العقل بعدم الاستحقاق إلّا لعقابٍ واحدٍ، أو لثوابٍ كذلك، في ما خالف الواجب ولم يأتِ بواحدة من مقدّماته على كثرتها، أو وافقه وأتاه (١) بما له من المقدّمات.

نعم، لا بأس باستحقاق العقوبة على المخالفة عند ترك المقدّمة، وبزيادة (٢) المثوبة على الموافقة في ما لو أتى بالمقدّمات بما هي مقدّمات له، من باب أنّه يصير حينئذٍ من أفضل الأعمال، حيث صار أشقّها. وعليه يُنزّل ما ورد في الأخبار من الثواب على المقدّمات (٣)، أو على التفضّل، فتأمّل جيّداً.

وذلك لبداهة أنّ موافقة الأمر الغيريّ - بما هو أمرٌ، لا بما هو شروع في إطاعة الأمر النفسيّ - لا توجب قُرباً، ولا مخالفَته - بما هو كذلك - بُعداً،

__________________

(١) في هامش « ش »: أتى به ظ.

(٢) معطوف على قوله: باستحقاق، يعني: لا بأس بزيادة المثوبة. لكنّ الأولى إسقاط الحرف الجارّ ؛ ليكون معطوفاً على « العقوبة » ليصير المعنى هكذا: « ولا بأس باستحقاق زيادة المثوبة » ؛ إذ الكلام في الاستحقاق بالنسبة إلى كلّ من العقوبة والمثوبة. ( منتهى الدراية ٢: ٢٥٤ ).

(٣) مثل ما روي في ثواب المشي لزيارة أمير المؤمنين والحسين عليهما‌السلام، أو للحج. راجع وسائل الشيعة ١٤: ٣٨٠، باب استحباب زيارة أمير المؤمنين ماشياً، ذهاباً وعوداً، و٤٣٩، باب استحباب المشي إلى زيارة الحسين عليه‌السلام، و١١: ١١٣، باب استحباب اختيار المشي في الحج على الركوب.