درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۱۱۲: مقدمه واجب ۲۳

 

قلت: إنّما يوجب ذلك تفاوتاً فيهما لو كان ذلك لأجل تفاوتٍ في ناحية المقدّمة، لا في ما إذا لم يكن تفاوتٌ في ناحيتها أصلاً، كما هاهنا ؛ ضرورة أنّ الموصليّة إنّما تُنتزع من وجود الواجب وترتّبِه عليها، من دون اختلاف في ناحيتها، وكونها في كلتا (١) الصورتين على نحوٍ واحد وخصوصيّةٍ واحدة ؛ ضرورةَ أنّ الإتيان بالواجب بعد الإتيان بها بالاختيار تارةً، وعدمَ الإتيان به كذلك أُخرى، لايوجب تفاوتاً فيها، كما لا يخفى.

الإشكال على الدليل الثالث

وأمّا ما أفاده قدس‌سره: من أنّ مطلوبيّة المقدّمة حيث كانت بمجرّد التوصّل بها، فلا جرم يكون التوصّل بها إلى الواجب معتبراً فيها.

ففيه: أنّه إنّما كانت مطلوبيّتها لأجل عدم التمكّن من التوصّل بدونها، لا لأجل التوصّل بها ؛ لما عرفت (٢) من أنّه ليس من آثارها، بل ممّا يترتّب عليها (٣) أحياناً بالاختيار بمقدّمات أُخرى - وهي مبادئ اختياره (٤) -، ولا يكاد يكون مثل ذا غايةً لمطلوبيّتها، وداعياً إلى إيجابها.

وصريح الوجدان إنّما يقضي بأنّ ما أُريد لأجل غايةٍ، وتجرَّدَ عن الغاية - بسبب عدم حصول سائر ما له دَخْلٌ في حصولها -، يقعُ على ما هو عليه من المطلوبيّة الغيريّة، كيف ؟ وإلّا يلزم أن يكون وجودها من قيوده، ومقدّمةً

__________________

(١) أدرجنا المثبَت في حقائق الأُصول ومنتهى الدراية، وفي الأصل وبعض الطبعات: كلا الصورتين. وفي « ر »: وفي الصورتين.

(٢) عند قوله في ردّ كلام الشيخ: « وبالجملة يكون التوصّل بها... » في الصفحة ١٦٢.

(٣) في الأصل و « ن » وبعض الطبعات: « عليه » وفي « ر »، « ق »، « ش » ومنتهى الدراية ما أثبتناه.

(٤) الأولى أن يقول: « وهي سائر مقدّماته في الفعل التوليدي، أو هي مع مبادئ اختياره في المباشري » ؛ إذ الفعل التوليدي لا يحتاج إلى الاختيار عنده... ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٥٨٢ ).

لوقوعه على نحوٍ تكون الملازمة بين وجوبه بذاك النحو ووجوبها، وهو كما ترى ؛ ضرورةَ أنّ الغاية لا تكاد تكون قيداً لذي الغاية، بحيث كان تخلّفها موجباً لعدم وقوع ذي الغاية على ما هو عليه من المطلوبيّة الغيريّة، وإلّا يلزم أن تكون مطلوبةً بطلبه كسائر قيوده، فلا يكون وقوعه على هذه الصفة منوطاً بحصولها، كما أفاده.

ولعلّ (١) منشأ توهّمه: خَلْطُه بين الجهة التقييديّة والتعليليّة، هذا.

مع ما عرفت من عدم التخلّف هاهنا، وأنّ الغاية إنّما هو حصول ما لولاه لما تمكّن من التوصّل إلى المطلوب النفسيّ، فافهم واغتنم.

دليلٌ آخر على وجوب خصوص المقدّمة الموصلة والمناقشة فيه

ثمّ إنّه لا شهادة على الاعتبار في صحّة منع المولى عن مقدّماته بأنحائها، إلّا في ما إذا رتّب (٢) عليه الواجب (٣) - لو سلّم - أصلاً ؛ ضرورةَ أنّه وإن لم يكن الواجب منها حينئذٍ غيرَ الموصلة، إلّا أنّه ليس لأجل اختصاص الوجوب بها في باب المقدّمة، بل لأجل المنع عن غيرها المانعِ عن الاتّصاف بالوجوب هاهنا، كما لا يخفى.

مع أنّ في صحّة المنع عنه (٤) كذلك نظراً (٥)، وجهُه: أنّه يلزم أن لا يكون تركُ الواجب حينئذٍ مخالفةً وعصياناً ؛ لعدم التمكّن شرعاً منه ؛ لاختصاص جواز مقدّمته بصورة الإتيان به.

__________________

(١) اشير إلى هذا التوجيه في مطارح الأنظار ١: ٣٧٠.

(٢) في منتهى الدراية: ترتّب.

(٣) هذا الدليل منسوب إلى السيّد الفقيه اليزدي صاحب العروة. ( منتهى الدراية ٢: ٣٩٢ ).

(٤) أي: عن المقدّمات، فالأولى: تأنيث الضمير. ( منتهى الدراية ٢: ٣٣٠ ).

(٥) في الأصل و « ن »: نظرٌ، وفي سائر الطبعات مثل ما أثبتناه.