درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۱۱۳: مقدمه واجب ۲۴

 

لوقوعه على نحوٍ تكون الملازمة بين وجوبه بذاك النحو ووجوبها، وهو كما ترى ؛ ضرورةَ أنّ الغاية لا تكاد تكون قيداً لذي الغاية، بحيث كان تخلّفها موجباً لعدم وقوع ذي الغاية على ما هو عليه من المطلوبيّة الغيريّة، وإلّا يلزم أن تكون مطلوبةً بطلبه كسائر قيوده، فلا يكون وقوعه على هذه الصفة منوطاً بحصولها، كما أفاده.

ولعلّ (١) منشأ توهّمه: خَلْطُه بين الجهة التقييديّة والتعليليّة، هذا.

مع ما عرفت من عدم التخلّف هاهنا، وأنّ الغاية إنّما هو حصول ما لولاه لما تمكّن من التوصّل إلى المطلوب النفسيّ، فافهم واغتنم.

دليلٌ آخر على وجوب خصوص المقدّمة الموصلة والمناقشة فيه

ثمّ إنّه لا شهادة على الاعتبار في صحّة منع المولى عن مقدّماته بأنحائها، إلّا في ما إذا رتّب (٢) عليه الواجب (٣) - لو سلّم - أصلاً ؛ ضرورةَ أنّه وإن لم يكن الواجب منها حينئذٍ غيرَ الموصلة، إلّا أنّه ليس لأجل اختصاص الوجوب بها في باب المقدّمة، بل لأجل المنع عن غيرها المانعِ عن الاتّصاف بالوجوب هاهنا، كما لا يخفى.

مع أنّ في صحّة المنع عنه (٤) كذلك نظراً (٥)، وجهُه: أنّه يلزم أن لا يكون تركُ الواجب حينئذٍ مخالفةً وعصياناً ؛ لعدم التمكّن شرعاً منه ؛ لاختصاص جواز مقدّمته بصورة الإتيان به.

__________________

(١) اشير إلى هذا التوجيه في مطارح الأنظار ١: ٣٧٠.

(٢) في منتهى الدراية: ترتّب.

(٣) هذا الدليل منسوب إلى السيّد الفقيه اليزدي صاحب العروة. ( منتهى الدراية ٢: ٣٩٢ ).

(٤) أي: عن المقدّمات، فالأولى: تأنيث الضمير. ( منتهى الدراية ٢: ٣٣٠ ).

(٥) في الأصل و « ن »: نظرٌ، وفي سائر الطبعات مثل ما أثبتناه.

وبالجملة (١): يلزم أن يكون الإيجابُ مختصّاً بصورة الإتيان ؛ لاختصاص جواز المقدّمة بها، وهو محال، فإنّه يكون من طلب الحاصل المحال (*)، فتدبّر جيّداً.

ثمرة القول بالمقدّمة الموصلة

بقي شيء:

وهو: أنّ ثمرة القول بالمقدّمة الموصلة هي: تصحيح العبادة الّتي يتوقّف على تركها فعل الواجب، بناءً على كون ترك الضدّ ممّا يتوقّف عليه فعل ضدّه ؛ فإنّ تركها - على هذا القول - لا يكون مطلقاً واجباً، - ليكون فعلها محرّماً، فتكون فاسدةً -، بل في ما يترتّب عليه الضدّ الواجب، ومع الإتيان بها لا يكاد يكون هناك ترتّب، فلا يكون تركها مع ذلك واجباً، فلا يكون فعلها منهيّاً عنه، فلا تكون فاسدة (٢).

إيراد الشيخ الأنصاري على الثمرة

وربّما أُورد (٣) على تفريع هذه الثمرة بما حاصله:

أنّ (٤) فعل الضدّ وإن لم يكن نقيضاً للترك الواجب مقدّمةً - بناءً على المقدّمة الموصلة -، إلّا أنّه لازمٌ لما هو من أفراد النقيض (٥) ؛ حيث إنّ نقيض ذاك الترك الخاصّ رفعُهُ، وهو أعمّ من الفعل والترك الآخر المجرّد.

__________________

(١) كان الأولى أن يقول: « وببيان آخر » ؛ لمخالفته لما قبله، فلا يكون إجمالاً له. ( حقائق الأُصول ١: ٢٨٤ )، وراجع كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٥٨٦ ومنتهى الدراية ٢: ٣٣١.

(*) حيث كان الإيجاب فعلاً متوقّفاً على جواز المقدّمة شرعاً، وجوازها كذلك كان متوقّفاً على إيصالها المتوقّف على الإتيان بذي المقدّمة بداهة، فلا محيص إلّا عن كون إيجابه على تقدير الإتيان به، وهو من طلب الحاصل الباطل. ( منه رحمه‌الله ).

(٢) الفصول: ٩٧ - ١٠٠.

(٣) أورده في مطارح الأنظار ١: ٣٧٨ - ٣٧٩.

(٤) في الأصل و « ن »: « بأنّ »، وفي غيرهما كما أثبتناه.

(٥) الأولى: إسقاط كلمة « من أفراد » ؛ وذلك لأنّ الفعل من لوازم نفس النقيض... لا من لوازم أفراد النقيض.... ( منتهى الدراية ٢: ٣٤٣ ).

وهذا يكفي في إثبات الحرمة، وإلّا لم يكن الفعل المطلق محرّماً في ما إذا كان الترك المطلق واجباً ؛ لأنّ الفعل أيضاً ليس نقيضاً للترك ؛ لأنّه أمر وجوديّ، ونقيضُ الترك إنّما هو رفعُه، ورفعُ الترك إنّما يلازم الفعلَ مصداقاً، وليس عينَه، فكما أنّ هذه الملازمة تكفي في إثبات الحرمة لمطلق الفعل، فكذلك تكفي في المقام. غاية الأمر أنّ ما هو النقيض في مطلق الترك إنّما ينحصر مصداقه في الفعل فقط، وأمّا النقيض للترك الخاصّ فله فردان، وذلك لا يوجب فرقاً في ما نحن بصدده، كما لا يخفى.

الجواب عمّا أورده الشيخ على الثمرة

قلت: وأنت خبير بما بينهما من الفرق ؛ فإنّ الفعل في الأوّل لا يكون إلّا مقارناً لما هو النقيض، من رفع الترك المجامع معه تارةً، ومع الترك المجرّد أُخرى، ولا تكاد تسري حرمة الشيء إلى ما يلازمه، فضلاً عمّا يقارنه أحياناً. نعم، لابدّ أن لا يكون الملازم محكوماً فعلاً بحكمٍ آخر على خلاف حكمه، لا أن يكون محكوماً بحكمه.

وهذا بخلاف الفعل في الثاني ؛ فإنّه بنفسه يعاند التركَ المطلق وينافيه، لا ملازم لمعانده ومنافيه، فلو لم يكن عين ما يناقضه بحسب الاصطلاح مفهوماً، لكنّه متّحد معه عيناً وخارجاً. فإذا كان الترك واجباً فلا محالة يكون الفعل منهيّاً عنه قطعاً، فتدبّر جيّداً.

ومنها: تقسيمه إلى الأصليّ والتبعيّ (١)

هذا التقسيم بلحاظ الثبوت لا الإثبات

والظاهر أن يكون هذا التقسيم بلحاظ الأصالة والتبعيّة في الواقع ومقام

__________________

(١) الأولى: ذكره في الأمر الثالث الذي عقده لتقسيمات الواجب، لا في ذيل الأمر الرابع الذي عقده لبيان دائرة وجوب المقدّمة... وكأنّه سهوٌ من القلم ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٥٩٢ )، وراجع شرح كفاية الأُصول للشيخ عبد الحسين الرشتي ١: ١٦٣، وحقائق الأُصول ١: ٢٨٨، ومنتهى الدراية ٢: ٣٥٢.