درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۱۱۸: مقدمه واجب ۲۹

 

وعدمِه أصلاً ؛ فإنّه يمكن التوصّل بها إن كانت توصّليّة، ولو لم نقل بجواز الاجتماع، وعدمُ جواز (١) التوصّل بها إن كانت تعبّديّة على القول بالامتناع - قيل بوجوب المقدّمة أو بعدمه -، وجوازُ التوصّل بها على القول بالجواز كذلك - أي قيل بالوجوب أو بعدمه -.

وبالجملة: لا يتفاوت الحال في جواز التوصّل بها وعدم جوازه أصلاً بين أن يقال بالوجوب أو يقال بعدمه، كما لا يخفى.

في تأسيس الأصل في المسألة:

لا أصل في مسألة الملازمة

اعلم: أنّه لا أصل في محلّ البحث في المسألة ؛ فإنّ الملازمة بين وجوب المقدّمة ووجوب ذي المقدّمة وعدمَها ليست لها حالةٌ سابقة، بل تكون الملازمة أو عدمُها أزليّةً.

جريان استصحاب عدم وجوب المقدّمة

نعم، نفس وجوب المقدّمة يكون مسبوقاً بالعدم، حيث يكون حادثاً بحدوث وجوب ذي المقدّمة، فالأصل عدم وجوبها.

وتوهّم: عدم جريانه ؛ لكون وجوبها على الملازمة من قبيل لوازم الماهيّة غير مجعولة، ولا أثر آخر (٢) مجعول مترتّب عليه، ولو كان لم يكن بمهمّ هاهنا.

مدفوعٌ: بأنّه وإن كان غيرَ مجعول بالذات، - لا بالجعل البسيط الّذي هو مفاد « كان » التامّة، ولا بالجعل التأليفيّ الّذي هو مفاد « كان » الناقصة -، إلّا أنّه مجعول بالعرض، وبتبع جعل وجوب ذي المقدّمة، وهو كافٍ في جريان الأصل.

__________________

(١) حقّ العبارة أن تكون: « كما لا يمكن التوصّل بها إن كانت تعبّدية... ». ( منتهى الدراية ٢: ٣٨١ ).

(٢) الأولى: إسقاط كلمة « آخر » وأن تكون العبارة هكذا: ولا مما يترتّب عليه أثر مجعول. راجع منتهى الدراية ٢: ٣٨٦.

ولزومُ التفكيك بين الوجوبين مع الشكّ لا محالة ؛ - لأصالة عدم وجوب المقدّمة مع وجوب ذي المقدّمة - لا ينافي الملازمة بين الواقعيّين (١)، وإنّما ينافي الملازمة بين الفعليّين.

نعم، لو كانت الدعوى هي الملازمة المطلقة حتّى في المرتبة الفعليّة، لما صحّ التمسّك بالأصل (٢)، كما لا يخفى.

الاستدلال على وجوب المقدّمة

إذا عرفت ما ذكرنا: فقد تصدّى غير واحد من الأفاضل لإقامة البرهان على الملازمة، وما أتى منهم بواحدٍ خالٍ عن الخلل.

والأولى: إحالة ذلك إلى الوجدان ؛ حيث إنّه أقوى شاهدٍ على أنّ الإنسان إذا أراد شيئاً له مقدّمات، أراد تلك المقدّمات لو التفت إليها، بحيث ربّما يجعلها في قالب الطلب مثله، ويقول مولويّاً: « ادخل السوق واشتر اللحم » - مثلاً - ؛ بداهَة أنّ الطلب المُنشأ بخطاب: « ادخلْ » مثل المُنشأ بخطاب « اشترْ » في كونه بعثاً مولويّاً، وأنّه حيث تعلّقت إرادته بإيجاد عبده الاشتراء، ترشّحت منها له إرادة أُخرى بدخول السوق، بعد الالتفات إليه، وأنّه يكون مقدّمةً له، كما لا يخفى.

ويؤيّد (٣) الوجدانَ - بل يكون من أوضح البرهان -: وجودُ الأوامر الغيريّة

__________________

(١) في « ق » و « ش »: الواقعين.

(٢) في « ش »: « لصحّ التمسك بذلك في إثبات بطلانها ». وأدرج ما أثبتنا أعلاه في الهامش. قال المحقّق الشيخ علي القوچاني: الثابت بحسب الدورة الأخيرة قوله: « لما صحّ » وعرفت وجه عدم جريان الأصل في الحاشية السابقة، ولكن بحسب مباحثتي مع المصنّف ( طاب ثراه ) تسلّم أنّه يصحّ ثبت قوله: « لصحّ » أي: لصحّ التمسك بالأصل في إثبات بطلان الملازمة... ( كفاية الأُصول مع حاشية الشيخ علي القوچاني: ١١٠ )، وراجع أيضاً نهاية الدراية ٢: ١٦٨ - ١٦٩.

(٣) هذا التأييد ذكره الميرزا الشيرازي، انظر تقريرات الميرزا الشيرازي للعلّامة الروزدري ١: ٣٥٩.

في الشرعيّات والعرفيّات ؛ لوضوح أنّه لايكاد يتعلّق بمقدّمة أمرٌ غيريٌّ إلّا إذا كان فيها مناطُه. وإذا كان فيها كان في مثلها، فيصحّ تعلّقه به أيضاً ؛ لتحقّق ملاكه ومناطه.

والتفصيل بين السبب وغيره، والشرطِ الشرعيّ وغيره سيأتي بطلانَه، وأنّه لا تفاوت في باب الملازمة بين مقدّمةٍ ومقدّمة.

استدلال البصري على وجوب المقدّمة والإشكال عليه

ولا بأس بذكر الاستدلال الّذي هو كالأصل لغيره، - ممّا ذكره الأفاضل من الاستدلالات -، وهو ما ذكره أبو [ الحسين ](١) البصريّ، وهو: أنّه لو لم تجب المقدّمة لجاز تركها، وحينئذٍ فإن بقي الواجب على وجوبه يلزم التكليف بما لا يطاق، وإلّا خرج الواجب المطلق عن كونه واجباً (٢).

وفيه - بعد إصلاحه بإرادة « عدم المنع الشرعيّ » من التالي في الشرطيّة الأُولى، لا « الإباحِة الشرعيّة »، وإلّا كانت الملازمة واضحةَ البطلان، وإرادةِ « الترك » (٣) عمّا اضيف إليه الظرف، لا « نفسِ الجواز » (٤)، وإلّا فبمجرّد (٥) الجواز بدون الترك، لا يكاد يتوهّم صدق القضيّة الشرطيّة الثانية -: ما لا يخفى ؛ فإنّ الترك (٦)(٧) بمجرّد عدم المنع شرعاً لا يوجب صدق إحدى الشرطيّتين،

__________________

(١) في الأصل وطبعاته: « أبو الحسن »، والصحيح ما أثبتناه. راجع المعتمد لأبي الحسين البصري ١: ٩٤ ومطارح الأنظار ١: ٤٠٧.

(٢) أثبتنا العبارة كما وردت في « ر »، وفي غيرها: عن وجوبه.

(٣) حكي هذا عن المحقق السبزواري. راجع ضوابط الأُصول: ٨٤، ومطارح الأنظار ١: ٤٠٨.

(٤) هذا ما استفاده صاحب المعالم في معالمه: ٦٢.

(٥) في « ن » وبعض الطبعات: فمجرّد. وفي حقائق الأُصول: فمجرّد الجواز... لا يكاد يتوهّم معه صدق القضية.

(٦) هذا الكلام مذكور في مطارح الأنظار ١: ٤٠٨ في مقام الردّ على المحقّق السبزواري.

(٧) ينبغي أن تكون صورة الإيراد هكذا: إنّا نختار أن لا يبقى الواجب على وجوبه، ولا دليل على بطلان خروج الواجب عن كونه واجباً ؛ فإنّ ترك المقدّمة يوجب ترك ذيها، فيكون معصية ويسقط بها التكليف... فيكون محصّل الإيراد: المنع من بطلان أحد اللازمين مع الالتزام بصدق الشرطيّتين معاً، لا بطلان إحدى الشرطيّتين، كما قد يظهر من العبارة. ( حقائق الأُصول ١: ٢٩٨ ).