درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۴: اجتماع امر و نهی ۱۲

 

ومع ذلك يكون تركه أرجح، كما يظهر من مداومة الأئمّة عليهم‌السلام على الترك (١) -:

إمّا لأجل انطباق عنوانٍ ذي مصلحةٍ (٢) على الترك، فيكون الترك - كالفعل - ذا مصلحةٍ موافقةٍ للغرض، وإن كان مصلحة الترك أكثر، فهما حينئذٍ يكونان من قبيل المستحبّين المتزاحمين، فيحكم بالتخيير بينهما لو لم يكن أهمّ في البين، وإلّا فيتعيّن الأهمّ، وإن كان الآخر يقع صحيحاً ؛ حيث إنّه كان راجحاً وموافقاً للغرض، كما هو الحال في سائر المستحبّات المتزاحمات، بل الواجبات.

وأرجحيّة الترك من الفعل لا توجب حزازة ومنقصة فيه أصلاً (٣) *، كما يوجبها ما إذا كان فيه مفسدةً غالبةً على مصلحته، ولذا لا يقع صحيحاً على

__________________

(١) وسائل الشيعة ١٠: ٤٥٧، باب استحباب صوم يوم التاسع والعاشر من المحرم حزناً.

(٢) في نهاية الدراية ٢: ٣٣٠: « راجح » بدل: ذي مصلحة.

(٣)( * ) ربّما يقال: إنّ أرجحيّة الترك وإن لم توجب منقصةً وحزازة في الفعل أصلاً، إلّا أنّه توجب المنع منه فعلاً، والبعث إلى الترك قطعاً، كما لا يخفى. ولذا كان ضدّ الواجب - بناءً على كونه مقدّمةً له - حراماً، ويفسد لو كان عبادة. مع أنّه لا حزازة في فعله، وإنّما كان النهي عنه وطلب تركه لما فيه من المقدّميّة له، وهو على ما هو عليه من المصلحة، فالمنع عنه لذلك كافٍ في فساده لو كان عبادة.

قلت: يمكن أن يقال: إنّ النهي التحريميّ لذلك وإن كان كافياً في ذلك بلا إشكالٍ، إلّا أنّ التنزيهيّ غير كافٍ، إلّا إذا كان عن حزازة فيه ؛ وذلك لبداهة عدم قابليّة الفعل للتقرّب به منه - تعالى - مع المنع عنه وعدم ترخيصه في ارتكابه. بخلاف التنزيهيّ عنه إذا كان لا لحزازة فيه، بل لما في الترك من المصلحة الراجحة، حيث إنّه معه مرخّص فيه، وهو على ما هو عليه من الرجحان والمحبوبيّة له - تعالى -، ولذلك لم تفسد العبادة إذا كانت ضدّاً لمستحبّة أهمّ اتّفاقاً، فتأمّل. ( منه قدس‌سره ).

الامتناع ؛ فإنّ الحزازة والمنقصة فيه مانعة عن صلاحيّة التقرّب به، بخلاف المقام، فإنّه على ما هو عليه من الرجحان وموافقةِ الغرض - كما إذا لم يكن تركه راجحاً - بلا حدوثِ حزازةٍ فيه أصلاً.

وإمّا لأجل ملازمة الترك لعنوانٍ كذلك من دون انطباقه عليه، فيكون كما إذا انطبق عليه من غير تفاوت، إلّا في أنّ الطلب المتعلّق به حينئذٍ ليس بحقيقيٍّ، بل بالعرَض والمجاز، فإنّما يكون في الحقيقة متعلّقاً بما يلازمه من العنوان. بخلاف صورة الانطباق ؛ لتعلّقه به حقيقةً، كما في سائر المكروهات من غير فرق، إلّا أنّ منشأه فيها حزازةٌ ومنقصة في نفس الفعل، وفيه رجحان في الترك، من دون حزازة في الفعل أصلاً، غاية الأمر كون الترك أرجح.

نعم، يمكن أن يحمل النهي - في كلا القسمين - على الإرشاد إلى الترك الّذي هو أرجح من الفعل، أو ملازمٌ لما هو الأرجح وأكثر ثواباً لذلك، وعليه يكون النهي على نحو الحقيقة، لا بالعرض والمجاز، فلا تغفل.

تحقيق الكلام في القسم الثاني

وأمّا القسم الثاني: فالنهي فيه يمكن أن يكون لأجل ما ذُكر في القسم الأوّل طابق النعل بالنعل.

كما يمكن أن يكون بسبب حصول منقصة في الطبيعة المأمور بها، لأجل تشخُّصها في هذا القسم بمشخِّص غيرِ ملائم لها، كما في الصلاة في الحمّام ؛ فإنّ تشخّصها بتشخّص وقوعها فيه لا يناسب كونَها معراجاً، وإن لم يكن نفسُ الكون في الحمّام بمكروهٍ، ولا حزازة فيه أصلاً، بل كان راجحاً كما لا يخفى.

وربما يحصل لها - لأجل تخصّصها بخصوصيّة شديدة الملائمة معها - مزيّةٌ فيها، كما في الصلاة في المسجد والأمكنة الشريفة ؛ وذلك لأنّ الطبيعة المأمور

بها في حدّ نفسها - إذا كانت (١) مع تشخُّصٍ لا تكون له شدّةُ الملائمة، ولا عدم الملائمة - لها مقدارٌ من المصلحة والمزيّة، كالصلاة في الدار - مثلاً -، وتزداد تلك المزيّة في ما كان تشخّصها بما لَه شدّة الملائمة، وتنقص في ما إذا لم تكن له ملائمة. ولذلك ينقص ثوابها تارةً، ويزيد أُخرى. ويكون النهي فيه - لحدوث نقصانٍ في مزيّتها فيه - إرشاداً إلى ما لا نقصان فيه من سائر الأفراد، ويكون أكثر ثواباً منه.

ولْيكن هذا (٢) مراد من قال: إنّ الكراهة في العبادة بمعنى أنّها تكون أقلّ ثواباً.

ولا يردّ عليه: بلزوم اتّصاف العبادة الّتي تكون أقلّ ثواباً من الاخرى بالكراهة (٣)، ولزومِ اتّصاف ما لا مزيّة فيه ولا منقصة بالاستحباب ؛ لأنّه أكثر ثواباً ممّا فيه المنقصة.

لما عرفت من أنّ المراد من كونه أقلَّ ثواباً، إنّما هو بقياسه إلى نفس الطبيعة المتشخّصة، بما لا يحدث معه مزيّة لها ولا منقصة من المشخّصات، وكذا كونه أكثرَ ثواباً.

ولا يخفى: أنّ النهي في هذا القسم لا يصحّ إلّا للإرشاد، بخلاف القسم الأوّل، فإنّه يكون فيه مولويّاً، وإن كان حمله على الإرشاد بمكانٍ من الإمكان.

__________________

(١) في « ق » و « ش »: كان. يلاحظ منتهى الدراية ٣: ١٢٢.

(٢) في « ر »: ولعلّ هذا.

(٣) هذا الإيراد ذكره صاحب الفصول في فصوله: ١٣١ وتعرّض له المحقّق القمّي واعترف بعدم وروده، كما ذكره الشيخ الأعظم - على ما في تقريراته - ثمّ أجاب عنه. راجع القوانين ١: ١٤٣، ومطارح الأنظار ١: ٦٣٦ - ٦٣٧.