درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۴۳: مفهوم شرط ۴

 

لولم يكن بمنحصر يلزم (١) تقييده ؛ ضرورة أنّه لو قارنه أو سبقه الآخر لما أثّر وحده (٢)، وقضيّةُ إطلاقه أنّه يؤثّر كذلك مطلقاً.

وفيه: أنّه لا تكاد تُنكَر الدلالة على المفهوم مع إطلاقه كذلك، إلّا أنّه من المعلوم ندرةَ تحقّقه، لولم نقل بعدم اتّفاقه.

فتلخّص - بما ذكرناه -: أنّه لم ينهض دليلٌ على وضع مثل « إن » على تلك الخصوصيّة المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء، ولم تقم عليها قرينة عامّة.

أمّا قيامها أحياناً - كانت مقدّمات الحكمة أو غيرها - ممّا لا يكاد ينكر، فلا يجدي القائل بالمفهوم: أنّه قضيّة الإطلاق في مقامٍ من باب الاتّفاق.

التقريب الثالث والجواب عنه

وأمّا توهُّم: أنّه قضيّة إطلاق الشرط، بتقريب: أنّ مقتضاه تعيّنُه، كما أنّ مقتضى إطلاق الأمر تعيّنُ الوجوب.

ففيه: أنّ التعيّن ليس في الشرط نحوٌ (٣)، يغاير نحوَه في ما إذا كان متعدّداً، كما كان في الوجوب كذلك، وكان الوجوب في كلّ منهما متعلّقاً بالواجب بنحوٍ آخر، لابدّ في التخييريّ منهما من العِدل. وهذا بخلاف الشرط،

__________________

(١) في « ر » زيادة: على المتكلّم.

(٢) ظاهره: أن الشرط في صورتي التقارن وسبق الآخر يكون جزء السبب المؤثر، ويكون المؤثر هو الجامع بينهما، مع انه ليس كذلك ؛ لأنّ الأثر في صورة السبق واللحوق يستند إلى السابق، ويلغو اللاحق. فالصواب: إسقاط قوله: « أو سبقه الآخر ». ( منتهى الدراية ٣: ٣٢٥ ).

(٣) كذا في الأصل « ن »، « ر »، « ق » و « ش »، وفي حقائق الأُصول ومنتهى الدراية: نحواً.

فإنّه - واحداً كان أو متعدّداً - كان نحوُه واحداً، ودخلُه في المشروط بنحوٍ واحد، لا تتفاوت الحال فيه ثبوتاً، كي تتفاوت عند الإطلاق إثباتاً، وكان الإطلاق مثبتاً لنحوٍ لا يكون له عِدْل ؛ لاحتياج ما لَه العِدل إلى زيادةِ مؤونةٍ، وهو ذِكره بمثل: « أو كذا ».

واحتياج ما إذا كان الشرط متعدّداً إلى ذلك إنّما يكون لبيان التعدّد، لا لبيان نحو الشرطيّة. فنسبة إطلاق الشرط إليه لاتختلف، كان هناك شرط آخر أم لا، حيث كان مسوقاً لبيان شرطيّته بلا إهمال ولا إجمال. بخلاف إطلاق الأمر ؛ فإنّه لو لم يكن لبيان خصوص الوجوب التعيينيّ، فلا محالة يكون في مقام الإهمال أو الإجمال، تأمّل تعرف. هذا.

مع أنّه لو سلّم لا يُجدي القائل بالمفهوم ؛ لما عرفت أنّه لا يكاد ينكر في ما إذا كان مفاد الإطلاق من باب الاتّفاق.

أدلّة المنكرين للمفهوم وما يرد عليها:

ثمّ إنّه ربما استدلّ المنكرون للمفهوم بوجوه:

١ - إمكان نيابة شرطآخر عن الشرط المذكور في القضية

أحدها: ما عُزِي إلى السيّد (١) من أنّ تأثير الشرط إنّما هو تعليق الحكم به، وليس بممتنع أن يخلفه وينوب منابه شرطٌ آخر يجري مجراه، ولا يخرج عن كونه شرطاً ؛ فإنّ قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ (٢) يمنع من قبول الشاهد الواحد حتّى ينضمّ إليه شاهد آخر، فانضمام الثاني إلى الأوّل شرط في القبول، ثمّ علمنا: أنّ ضمّ امرأتين إلى الشاهد الأوّل شرط في القبول، ثمّ علمنا: أنّ ضمّ اليمين يقوم مقامه أيضاً. فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر

__________________

(١) الذريعة ١: ٤٠٦.

(٢) البقرة: ٢٨٢.

من أن تحصى، مثل الحرارة ؛ فإنّ انتفاء الشمس لا يلزم منه (١) انتفاء الحرارة (٢) ؛ لاحتمال قيام النار مقامها. والأمثلة لذلك كثيرة شرعاً وعقلاً.

الجواب عنه

والجواب: أنّه قدس‌سره إن كان بصدد إثبات (٣) إمكان نيابة بعض الشروط عن بعض في مقام الثبوت وفي الواقع، فهو ممّا لا يكاد ينكر ؛ ضرورة أنّ الخصم يدّعي عدَمَ وقوعه في مقام الإثبات، ودلالةَ القضيّة الشرطيّة عليه.

وإن كان بصدد إبداء احتمال وقوعه، فمجرّد الاحتمال لا يضرّه، ما لم يكن بحسب القواعد اللفظيّة راجحاً أو مساوياً، وليس في ما أفاده ما يثبت ذلك أصلاً، كما لا يخفى.

٢ - انتفاء الدلالات الثلاث عن المفهوم

ثانيها: ا نّه لو دلّ لكان بإحدى الدلالات، والملازمة - كبطلان التالي - ظاهرة.

الجواب عنه وقد أُجيب عنه (٤) بمنع بطلان التالي، وأنّ الالتزام ثابت. وقد عرفت بما لا مزيد عليه ما قيل أو يمكن أن يقال في إثباته أو منعه، فلا تغفل.

٣ - الاستدلال بالآية الشريفة

ثالثها: قوله تبارك وتعالى: ﴿ولاتُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلى الْبِغاءِ إِنْ أرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ (٥).

__________________

(١) أثبتنا كلمة « منه » من « ق » و « ش ».

(٢) في « ش » ادرجت الجملة المثبتة أعلاه في الهامش نقلاً عن نسخة من الكتاب، وجعل بدلها في المتن هذه العبارة: مثل الشمس ؛ فإنّ انتفاءها لا يستلزم انتفاء الحرارة.

(٣) في « ر »: بصدد بيان.

(٤) في مطارح الأنظار ٢: ٣٣.

(٥) النور: ٣٣.