درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۴۵: مفهوم شرط ۶

 

الجواب عنه

وفيه ما لا يخفى ؛ ضرورة أنّ استعمال الجملة الشرطيّة في ما لا مفهوم له أحياناً وبالقرينة لا يكاد ينكر، كما في الآية وغيرها. وإنّما القائل به إنّما يدّعي ظهورها في ما له المفهوم وضعاً أو بقرينةٍ عامّة، كما عرفت.

بقي هاهنا أُمور:

١ - المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم عند انتفاء الشرط

الأمر الأوّل: أنّ المفهوم هو: انتفاء سنخ الحكم المعلّق على الشرط عند انتفائه، لا انتفاءُ شخصه ؛ ضرورة انتفائه عقلاً بانتفاء موضوعه ولو ببعض قيوده، فلا (١) يتمشّى الكلام في أنّ للقضيّة الشرطيّة مفهوماً أو ليس لها مفهومٌ، إلّا في مقامٍ كان هناك ثبوت سنخ الحكم في الجزاء، وانتفاؤه عند انتفاء الشرط ممكناً. وإنّما وقع النزاع في أنّ لها دلالةً على الانتفاء عند الانتفاء، أو لا يكون لها دلالة.

عدم كون الانتفاء عند الانتفاء في الوصايا ونحوهامن المفهوم

ومن هنا انقدح: أنّه ليس من المفهوم دلالةُ القضيّة (٢) على الانتفاء عند الانتفاء في الوصايا والأوقاف والنذور والأيمان، كما توهّم (٣)، بل عن الشهيد في تمهيد القواعد: أنّه لا إشكال في دلالتها على المفهوم (٤).

__________________

(١) أثبتناها من الأصل و « ر »، وفي أكثر الطبعات: ولا.

(٢) أثبتنا الجملة كما هي في « ر » ومنتهى الدراية. وفي الأصل وأكثر الطبعات: ليس من المفهوم ودلالة القضية. قال في منتهى الدراية ٣: ٣٤٣: في بعض النسخ: « ودلالة » مع الواو، فيكون معطوفاً على المفهوم ومفسّراً له، وهو مشكل ؛ إذ يلزم حينئذٍ خلوّ « ليس » عن الإسم... يراجع أيضاً نهاية النهاية ١: ٢٥٨.

(٣) في مطارح الأنظار ٢: ٣٧.

(٤) تمهيد القواعد: ١٤.

وذلك لأنّ انتفاءها عن غير ما هو المتعلّق لها، - من الأشخاص الّتي تكون بألقابها، أو بوصف شيءٍ، أو بشرطه، مأخوذةً في العقد، أو مثل العهد - ليس بدلالة الشرط أو الوصف أو اللقب عليه، بل لأجل أنّه إذا صار شيءٌ وقفاً على أحدٍ، أو اوصي به، أو نُذر له - إلى غير ذلك - لا يقبل أن يصير وقفاً على غيره أو وصيّةً أو نذراً له. وانتفاءُ شخص الوقف أو النذر أو الوصيّة عن غير مورد المتعلّق، قد عرفت أنّه عقليٌّ مطلقاً، ولو قيل بعدم المفهوم في موردٍ صالح له.

توهّم أنّ المعلّق على الشرط هو شخص الحكم لا سنخه

إشكال ودفع:

لعلّك تقول: كيف يكون المناط في المفهوم هو سنخ الحكم، لا نفس شخص الحكم في القضيّة، وكان الشرط في الشرطيّة إنّما وقع شرطاً بالنسبة إلى الحكم الحاصل بإنشائه دون غيره ؟ فغاية قضيّتها انتفاء ذاك الحكم بانتفاء شرطه، لا انتفاء سنخه. وهكذا الحال في سائر القضايا الّتي تكون مفيدة للمفهوم (١).

الجواب عن التوهّم

ولكنّك غفلت عن أنّ المعلّق على الشرط إنّما هو نفس الوجوب الّذي هو مفاد الصيغة ومعناها، وأمّا الشخص والخصوصيّة الناشئة من قِبَل استعمالها فيه، لا تكاد (٢) تكون من خصوصيّات معناها المستعملة فيه، كما لا يخفى، كما لا تكون الخصوصيّة الحاصلة من قِبَل الإخبار به، من خصوصيّات ما اخبر به واستعمل فيه إخباراً لا إنشاءً.

__________________

(١) ورد هذا الإشكال في مطارح الأنظار ٢: ٣٨.

(٢) كذا، والأولى: « فلا تكاد » كما استظهره في « ش ».

وبالجملة: كما لا يكون المخبَر به المعلّق على الشرط خاصّاً بالخصوصيّات الناشئة من قِبَل الإخبار به، كذلك المُنشأ بالصيغة المعلّق عليه، وقد عرفت بما حقّقناه في معنى الحرف وشبهه (١): أنّ ما استعمل فيه الحرف عامّ كالموضوع له، وأنّ خصوصيّة لحاظِه بنحو الآليّة والحاليّة لغيره من خصوصيّة الاستعمال، كما أنّ خصوصيّة لحاظ المعنى بنحو الاستقلال في الاسم كذلك، فيكون اللحاظ الآليّ - كالاستقلاليّ - من خصوصيّات الاستعمال، لا المستعمل فيه.

جواب الشيخ الأنصاري عن التوهّم والكلام فيه

وبذلك قد انقدح فساد ما يظهر من التقريرات (٢) - في مقام التفصّي عن هذا الإشكال - من التفرقة بين الوجوب الإخباريّ والإنشائيّ، بأنّه كلّيٌّ في الأوّل وخاصٌّ في الثاني، حيث دفع الإشكال بأنّه لا يتوجّه في (٣) الأوّل ؛ لكون الوجوب كلّيّاً (٤)، وعلى الثاني بأنّ ارتفاع مطلق الوجوب فيه من فوائد العلّيّة المستفادة من الجملة الشرطيّة ؛ حيث كان ارتفاع شخص الوجوب ليس مستنداً إلى ارتفاع العلّة المأخوذة فيها، فإنّه يرتفع ولو لم يوجد في حيال أداة الشرط، كما في اللقلب والوصف.

وأُورد (٥) على ما تُفُصّي به عن الإشكال، بما (٦) ربما يرجع إلى ما ذكرنا

__________________

(١) تقدّم ذلك في الصفحة: ٢٥ وما بعدها.

(٢) مطارح الأنظار ٢: ٣٨ - ٣٩.

(٣) الأولى: تبديل « في » ب « على ». ( منتهى الدراية ٣: ٣٥١ ).

(٤) حقّ العبارة أن تكون هكذا: « حيث دفع الإشكال على الأول بكون الوجوب كلّياً... ». ( المصدر السابق: ٣٥٠ ).

(٥) في مطارح الأنظار ٢: ٣٩.

(٦) الظاهر أنّ أصل العبارة: « ممّا ربما » ؛ ليكون بياناً لما تُفصّي. ( حقائق الأُصول ١: ٤٥٨ ).

بما حاصله: أنّ التفصّي لا يبتني على كلّيّة الوجوب ؛ لما أفاده. وكونُ الموضوع له في الإنشاء عامّاً لم يقم عليه دليل، لو لم نقل بقيام الدليل على خلافه ؛ حيث إنّ الخصوصيّات بأنفسها مستفادة من الألفاظ.

وذلك لما عرفت من أنّ الخصوصيّات في الإنشاءات والإخبارات، إنّما تكون ناشئة من الاستعمالات بلا تفاوتٍ أصلاً بينهما.

ولعمري لا يكاد ينقضي تعجّبي، كيف تُجعل خصوصيّات الإنشاء من خصوصيّات المستعمل فيه ؟ مع أنّها - كخصوصيّات الإخبار - تكون ناشئة من الاستعمال، ولا يكاد يمكن أن يدخل في المستعمل فيه ما ينشأ من قِبَل الاستعمال، كما هو واضح لمن تأمّل.

٢ - إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء فلابدّ من التصرّف في ظهور الجملة

الأمر الثاني: انّه إذا تعدّد الشرط مثل: « إذا خفي الأذانُ فقصِّر » و « إذا خفي الجدران فقصِّر »، فبناءً على ظهور الجملة الشرطيّة في المفهوم، لابدّ من التصرّف ورفع اليد عن الظهور:

وجوه التصرّف في الظهور

 - إمّا بتخصيص مفهوم كلّ منهما بمنطوق الاخرى، فيقال بانتفاء وجوب القصر عند انتفاء الشرطين.

 - وإمّا برفع اليد عن المفهوم فيهما، فلا دلالة لهما على عدم مدخليّة شيءٍ آخر في الجزاء، بخلاف الوجه الأوّل، فإنّ فيهما الدلالة على ذلك.

 - وإمّا بتقييد إطلاق الشرط في كلّ منهما بالآخر، فيكون الشرط هو خفاء الأذان والجدران معاً، فإذا خفيا وجب القصر، ولا يجب عند انتفاء خفائهما، ولو خفي أحدهما.

 - وإمّا بجعل الشرط هو القدر المشترك بينهما، بأن يكون تعدّد الشرط قرينة على أنّ الشرط في كلٍّ منهما ليس بعنوانه الخاصّ، بل بما هو مصداق لما يعمّهما من العنوان.