درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۸۷: مطلق و مقید ۷

 

عن وقت الحاجة، فلا يكون الظفر بالمقيِّد - ولو كان مخالفاً - كاشفاً (١) عن عدم كون المتكلّم في مقام البيان. ولذا لا ينثلم به إطلاقُه وصحّةُ التمسّك به أصلاً، فتأمّل جيّداً.

وقد انقدح بما ذكرنا: أنّ النكرة في دلالتها على الشياع والسريان أيضاً تحتاج - في ما لا يكون هناك دلالةُ حالٍ أو مقالٍ - إلى مقدّمات (٢) الحكمة، فلا تغفل.

الأصل عند الشكّ في كون المتكلّم في مقام البيان

بقي شيء:

وهو أنّه لا يبعد أن يكون الأصل في ما إذا شكّ في كون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد هو: كونه بصدد بيانه ؛ وذلك لما جرت عليه سيرة أهل المحاورات من التمسّك بالإطلاقات، في ما إذا لم يكن هناك ما يوجب صرْفَ وجهها إلى جهة خاصّة.

ولذا ترى أنّ المشهور لا يزالون يتمسّكون بها مع عدم إحراز كون مطلِقها بصدد البيان، وبُعدِ كونه لأجل ذهابهم إلى أنّها موضوعة للشياع والسريان، وإن كان ربما نسب ذلك إليهم (٣). ولعلّ وجهَ النسبة ملاحظةُ أنّه لا وجه للتمسّك بها بدون الإحراز، والغفلةُ عن وجهه، فتأمّل جيّداً.

الانصراف ومراتبه

ثمّ إنّه قد انقدح بما عرفت - من توقّف حمل المطلق على الإطلاق في ما

__________________

(١) في « ر »: « فلا يكون الظفر بالمقيّد لو كان كاشفاً »، والعبارة على التقديرين لا تخلو من اضطراب. والمناسب أن تكون العبارة هكذا: « فلا يكون الظفر بالمقيّد كاشفاً ». راجع منتهى الدراية ٣: ٧٢٣.

(٢) في الأصل و « ن »: من مقدّمات.

(٣) راجع القوانين ١: ٣٢١.

لم يكن هناك قرينة حاليّة أو مقاليّة على قرينة الحكمة، المتوقّفة على المقدّمات المذكورة -: أنّه لا إطلاق له في ما كان له الانصراف إلى خصوص بعض الأفراد أو الأصناف ؛ لظهوره فيه، أو كونِه متيقّناً منه، ولو لم يكن ظاهراً فيه بخصوصه، حَسَب اختلاف مراتب الانصراف.

كما أنّ (١) منها ما لا يوجب ذا ولا ذاك، بل يكون بدويّاً زائلاً بالتأمّل.

كما أنّ (٢) منها ما يوجب الاشتراك، أو النقل.

لا يقال (٣): كيف يكون ذلك ؟ وقد تقدّم أنّ التقييد لا يوجب التجوّز في المطلق أصلاً.

فإنّه يقال: - مضافاً إلى أنّه إنّما قيل (٤) لعدم استلزامه له، لا عدمِ إمكانه ؛ فإنّ استعمال المطلق في المقيّد بمكانٍ من الإمكان - إنّ كثرة إرادة المقيّد لدى إطلاق المطلق ولو بدالٍّ آخر ربما تبلغ بمثابة توجب له مزيّةَ أُنسٍ (٥) - كما في المجاز المشهور - أو تعيّناً واختصاصاً به - كما في المنقول بالغلبة -، فافهم.

إذا كان للمطلق جهات عديدة

تنبيه (٦):

وهو أنّه يمكن أن يكون للمطلق جهات عديدة، كان وارداً في مقام البيان من جهةٍ منها، وفي مقام الإهمال أو الإجمال من أُخرى، فلابدّ في حمله

__________________

(١) أثبتنا الكلمة من « ر » وفي غيرها: أنّه.

(٢) أثبتنا الكلمة من « ر » وفي غيرها: أنّه.

(٣) هذا الإشكال وجوابه مذكوران في مطارح الأنظار ٢: ٢٦٥.

(٤) الأنسب ذكر « به » بعد قوله: قيل انظر منتهى الدراية ٣: ٧٣٤.

(٥) في « ر »: مزيد أُنس، وفي هامش « ق » و « ش »: مرتبةُ أُنس ( نسخة بدل ).

(٦) هذا التنبيه مذكور في مطارح الأنظار ٢: ٢٦٩ - ٢٧٠ بعنوان: تذنيب.

على الإطلاق بالنسبة إلى جهةٍ، من كونه بصدد البيان من تلك الجهة، ولا يكفي كونه بصدده من جهة أُخرى، إلّا إذا كان بينهما ملازمة عقلاً أو شرعاً أو عادةً، كما لا يخفى.

فصل
[ المطلق والمقيّد المتنافيان ]

إذا ورد مطلق ومقيّد متنافيين: فإمّا يكونان مختلفين في الإثبات والنفي، وإمّا يكونان متوافقين.

المطلق والمقيّد المختلفان

فإن كانا مختلفين، مثل: « أعتق رقبة » و « لا تعتق رقبة كافرة »، فلا إشكال في التقييد.

المطلق والمقيّد المتوافقان

وإن كانا متوافقين، فالمشهور فيهما الحمل والتقييد.

وقد استدلّ (١) بأنّه جمع بين الدليلين، وهو أولى.

وقد أُورد عليه (٢) بإمكان الجمع على وجهٍ آخر، مثل حمل الأمر في المقيّد على الاستحباب.

وأُورد عليه (٣): بأنّ التقييد ليس تصرّفاً في معنى اللفظ، وإنّما هو تصرّف

__________________

(١) نسبه في مطارح الأنظار ٢: ٢٧٣ إلى الأكثر.

(٢) في القوانين ١: ٣٢٥.

(٣) هذا الايراد من الشيخ الأعظم الأنصاري، انتصاراً لدليل المشهور. راجع مطارح الأنظار ٢: ٢٧٣.

في وجهٍ من وجوه المعنى، اقتضاه تجرّدُه عن القيد، مع تخيُّل وروده في مقام بيان تمام المراد، وبعد الاطّلاع على ما يصلح للتقييد نعلم وجوده على وجه الإجمال، فلا إطلاق فيه حتّى يستلزم تصرّفاً، فلا يعارض ذلك بالتصرّف في المقيّد، بحمل أمره على الاستحباب.

وأنت خبير بأنّ التقييد أيضاً يكون تصرّفاً في المطلق ؛ لما عرفت (١) من أنّ الظفر بالمقيّد لا يكون كاشفاً عن عدم ورود المطلق في مقام البيان، بل عن عدم كون الإطلاق - الّذي هو ظاهره بمعونة الحكمة - بمراد جدّيّ، غاية الأمر أنّ التصرّف فيه بذلك لا يوجب التجوّز فيه.

مع أنّ حمل الأمر في المقيّد على الاستحباب لا يوجب تجوّزاً فيه ؛ فإنّه في الحقيقة مستعملٌ في الإيجاب، فإنّ المقيّد إذا كان فيه ملاك الاستحباب، كان من أفضل أفراد الواجب، لا مستحبّاً فعلاً ؛ ضرورة أنّ ملاكه لا يقتضي استحبابه إذا اجتمع مع ما يقتضي وجوبه.

نعم، في ما إذا كان إحرازُ كون المطلقِ في مقام البيان بالأصل، كان من التوفيق بينهما حملُه على أنّه سيق في مقام الإهمال، على خلاف مقتضى الأصل، فافهم.

__________________

(١) الظاهر: أنّ العبارة لا تخلو عن الاضطراب وسوء التأدية ؛ لأنّ قوله: « لما » ظاهر في كونه علّة لكون التقييد تصرّفاً في المطلق، ولا يلائمه ؛ لعدم المناسبة بين التعليل والمعلّل... فلو كانت العبارة هكذا: « بأنّ التقييد أيضاً يكون تصرّفاً في المطلق ؛ لأنّ قضيّة التقييد عدم كون المطلق مراداً جدّياً للمتكلم، وهو خلاف الظاهر » كانت صواباً. ( منتهى الدراية ٣: ٧٤٤ ).