درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۶۳: عام و خاص ۸

 

والأكثر في ما كان متّصلاً، فيسري إجماله إليه حكماً في المنفصل المردّد بين المتباينين، وحقيقةً في غيره:

أمّا الأوّل: فلأنّ العامّ - على ما حقّقناه (١) - كان (٢) ظاهراً في عمومه، إلّا أنّه لا يتّبع ظهورُه في واحدٍ من المتباينين اللّذين علم تخصيصه بأحدهما.

وأمّا الثاني: فلعدم انعقاد ظهور من رأس للعامّ ؛ لاحتفاف الكلام بما يوجب احتماله لكلّ واحدٍ من الأقلّ والأكثر، أو لكلّ واحدٍ من المتباينين، لكنّه حجّة في الأقلّ ؛ لأنّه المتيقّن في البين.

فانقدح بذلك: الفرق بين المتّصل والمنفصل. وكذا في المجمل بين المتباينين، والأكثر والأقلّ، فلا تغفل.

المخصّص اللفظي المجمل مصداقاً: عدم جواز التمسّك بالعام سواءً كان المخصّص متصلاً أو منفصلاً

وأمّا إذا كان مجملاً بحسب المصداق - بأن اشتبه فردٌ، وتردّد بين أن يكون فرداً له أو باقياً تحت العامّ - فلا كلام في عدم جواز التمسّك بالعامّ لو كان متّصلاً به (٣) ؛ ضرورةَ عدم انعقاد ظهورٍ للكلام إلّا في الخصوص، كما عرفت (٤).

وأمّا إذا كان منفصلاً عنه، ففي جواز التمسّك به خلافٌ.

__________________

(١) في أوائل الفصل السابق، الصفحة: ٣٠١، إذ قال: وأمّا في المنفصل، فلأنّ إرادة الخصوص واقعاً، لا تستلزم استعمالَه فيه.

(٢) الأولى أن يقال: « وإن كان » حتى يلائمه قوله: « إلّا أنّه لا يتبع ظهوره ». ( منتهى الدراية ٣: ٥٠١ ).

(٣) قد يظهر من مطارح الأنظار ٢: ١٣٦ دخوله في محلّ النزاع. يراجع أيضاً حقائق الأُصول ١: ٤٩٦.

(٤) آنفاً، إذ قال: أو بين الأقلّ والأكثر في ما كان متصلاً فيسري إجماله إليه.

والتحقيق: عدم جوازه ؛ إذ غاية ما يمكن أن يقال في وجه جوازه: أنّ الخاصّ إنّما يزاحم العامّ في ما كان فعلاً حجّةً فيه (١)، ولا يكون حجّةً في ما اشتبه أنّه من أفراده، فخطاب « لا تكرم فسّاق العلماء » لا يكون دليلاً على حرمة إكرام مَن شُكّ في فسقه من العلماء، فلا يزاحم مثلَ « أكرم العلماء » ولا يعارضه ؛ فإنّه يكون من قبيل مزاحمة الحجّة بغير الحجّة.

وهو في غاية الفساد ؛ فإنّ الخاصّ وإن لم يكن دليلاً في الفرد المشتبه فعلاً، إلّا أنّه يوجب اختصاصَ حجّيّة العامّ بغير (٢) عنوانه من الأفراد، فيكون « أكرم العلماء » دليلاً وحجّةً في العالِم غيرِ الفاسق. فالمصداق المشتبة وإن كان مصداقاً للعامّ بلا كلام، إلّا أنّه لم يعلم أنّه من مصاديقه بما هو حجّة ؛ لاختصاص حجّيّته بغير الفاسق.

وبالجملة: العامّ المخصَّص بالمنفصل وإن كان ظهوره في العموم كما إذا لم يكن مخصَّصاً - بخلاف المخصَّص بالمتّصل، كما عرفت - إلّا أنّه في عدم الحجّيّة – إلّا في غير عنوان الخاصّ - مثلُهُ. فحينئذٍ يكون الفرد المشتبه غيرَ معلوم الاندراج تحت إحدى الحجّتين، فلابدّ من الرجوع إلى ما هو الأصل في البين.

هذا إذا كان المخصّص لفظيّاً.

المخصّص اللبّي المجمل مصداقاً: التفصيل بين ما إذا كان ممّا يصحّ ان يتّكل عليه وما لم يكن كذلك

وأمّا إذا كان لبّيّاً: فإن كان ممّا يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم إذا كان بصدد البيان في مقام التخاطب، فهو كالمتّصل، حيث لا يكاد ينعقد معه ظهور للعامّ إلّا في الخصوص.

__________________

(١) أثبتنا « فيه » من « ر ».

(٢) في غير « ر »: في غير.

وإن لم يكن كذلك، فالظاهر بقاء العامّ في المصداق المشتبة على حجّيّته كظهوره (١) فيه.

والسرّ في ذلك: أنّ الكلام الملقى من السيّد حجّةً، ليس إلّا ما اشتمل على العامّ الكاشف (٢) بظهوره عن إرادته للعموم، فلابدّ من اتّباعه ما لم يقطع بخلافه. مثلاً، إذا قال المولى: « أكرم جِيراني »، وقَطَعَ بأنّه لا يريد إكرامَ من كان عدوّاً له منهم، كان أصالة العموم باقيةً على الحجّيّة بالنسبة إلى من لم يعلم بخروجه عن عموم الكلام، للعلم بعداوته ؛ لعدم حجّة أُخرى بدون ذلك على خلافه.

بخلاف ما إذا كان المخصِّص لفظيّاً ؛ فإنّ قضيّة تقديمه عليه هو كون الملقى إليه كأنّه كان من رأس لا يعمّ الخاصّ، كما كان كذلك حقيقةً في ما كان الخاصّ متّصلاً.

والقطعُ بعدم إرادة العدوّ لا يوجب انقطاع حجيّته إلّا في ما قطع أنّه عدوُّهُ، لا في ما شكّ فيه، كما يظهر صدق هذا من صحّة مؤاخذة المولى لو لم يكرم واحداً من جيرانه ؛ لاحتمال عداوته له، وحُسْنِ عقوبته على مخالفته، وعدَمِ صحّة الاعتذار عنه بمجرّد احتمال العداوة، كما لا يخفى على من راجع الطريقة المعروفة، والسيرةَ المستمرّة المألوفة بين العقلاء الّتي هي ملاك حجّيّة أصالة الظهور.

وبالجملة: كان بناء العقلاء على حجّيّتها بالنسبة إلى المشتبه هاهنا، بخلافه (٣) هناك ؛ ولعلّه لما أشرنا إليه، من التفاوت بينهما بإلقاء حجّتين هناك،

__________________

(١) في « ر »: لظهوره.

(٢) في « ر »: ما اشتمل العامّ على اللفظ الكاشف.

(٣) أثبتناها من « ش »، وفي غيرها: بخلاف.