درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۷۲: عام و خاص ۱۷

 

وكذلك لا ريب في عدم صحّة خطاب المعدوم - بل الغائب - حقيقةً، وعدم إمكانه ؛ ضرورةَ عدم تحقّق توجيه الكلام نحو الغير حقيقةً إلّا إذا كان موجوداً، وكان بحيث يتوجّه إلى الكلام ويلتفت إليه.

الكلام في ماوُضعت له أدوات الخطاب

ومنه قد انقدح: أنّ ما وضع للخطاب - مثل أدوات النداء - لو كان موضوعاً للخطاب الحقيقيّ، لأوجب استعمالُه فيه تخصيصَ ما يقع في تلوه بالحاضرين. كما أنّ قضيّة إرادة العموم منه لغيرهم استعماله في غيره.

لكنّ الظاهر: أنّ مثل أدوات النداء لم يكن موضوعاً لذلك، بل للخطاب الإيقاعيّ الإنشائيّ. فالمتكلّم ربما يُوقع الخطاب بها تحسّراً وتأسّفاً وحزناً، مثل « يا كوكباً ما كان أقصر عمره » (١)، أو شوقاً ونحو ذلك، كما يوقعه مخاطِباً لمن يناديه حقيقةً، فلا يوجب استعماله في معناه الحقيقيّ حينئذٍ التخصيصَ بمن يصحّ مخاطبته.

نعم، لا يبعد دعوى الظهور - انصرافاً - في الخطاب الحقيقيّ، كما هو الحال في حروف الاستفهام والترجّي والتمنّي وغيرها، على ما حقّقناه في بعض المباحث السابقة (٢) من كونها موضوعةً للإيقاعيّ منها بدواعٍ مختلفة، مع ظهورها في الواقعيّ منها انصرافاً، إذا لم يكن هناك ما يمنع عنه، كما يمكن دعوى وجوده غالباً في كلام الشارع ؛ ضرورة وضوح عدم اختصاص الحكم في مثل: « يا أيّها الناس اتّقوا » و « يا أيّها المؤمنون » بمن حضر مجلسَ الخطاب، بلا شبهة ولا ارتياب.

__________________

(١) وتمام البيت: « وكذاك عمر كواكب الأسحار »، وهو من رائيّة أبي الحسن التهامي في رثاء ولده الذي مات صغيراً، راجع الكنى والألقاب ١: ٤٨ - ٤٩.

(٢) في المبحث الأول من مباحث صيغة الأمر في الصفحة: ١٠٠ ؛ قال: إيقاظ: لا يخفى أنّ ما ذكرناه في صيغة الأمر جارٍ في سائر الصيغ الانشائية....

ويشهد لما ذكرنا: صحّةُ النداء بالأدوات، مع إرادة العموم من العامّ الواقع تِلْوَها بلا عناية، ولا للتنزيل والعلاقة رعاية.

وتوهّم كونِه ارتكازيّاً، يدفعه عدمُ العلم به مع الالتفات إليه والتفتيش عن حاله، مع حصوله بذلك لو كان مرتكزاً (١)، وإلّا فمن أين يعلم ثبوته (٢) كذلك ؟ كما هو واضح.

وإن أبيت إلّا عن وضع الأدوات للخطاب الحقيقيّ، فلا مناصَ عن التزام اختصاص الخطابات الإلهيّة - بأدوات الخطاب، أو بنفس توجيه الكلام بدون الأداة -، كغيرها، بالمشافهين، في ما لم يكن هناك قرينة على التعميم.

وتوهّم (٣): صحّة التزام التعميم في خطاباته - تعالى - لغير الموجودين - فضلاً عن الغائبين - ؛ لإحاطته بالموجود في الحال والموجود في الاستقبال.

فاسدٌ: ضرورة أنّ إحاطته - تعالى - لا توجب صلاحيّة المعدوم - بل الغائب - للخطاب. وعدم صحّة المخاطبة معهما لقصورهما لا يوجب نقصاً في ناحيته - تعالى -، كما لا يخفى.

كما أنّ خطابه اللفظيّ - لكونه تدريجيّاً ومتصرّمَ الوجود - كان قاصراً عن أن يكون موجّهاً نحوَ غير مَن كان بمسمع منه ضرورةً (٤).

__________________

(١) في « ق » و « ش »: مع حصول العلم بذلك لو كان ارتكازياً.

(٢) أثبتناها من « ر ». وفي غيرها: بثبوته.

(٣) ذكره - مع المناقشة فيه - في الفصول: ١٨٣، وأورده في مطارح الأنظار ٢: ١٩٢ - ١٩٣ وردّ عليه بما ذكره المصنّف هنا.

(٤) ردٌّ على توهّم شمول الخطابات الشفاهية للغائبين عن مجلس الخطاب وإن لم تشمل المعدومين.

هذا لو قلنا بأن الخطاب بمثل ﴿يَا أيّها النَّاس اتَّقوا﴾ (١) في الكتاب حقيقةً إلى غير النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بلسانه.

وأمّا إذا قيل بأنّه المخاطَب والموجّه إليه الكلام حقيقةً، - وحياً أو إلهاماً -، فلا محيص إلّا (٢) عن كون الأداة في مثله للخطاب الإيقاعيّ ولو مجازاً.

وعليه لا مجال لتوهّم اختصاص الحكم - المتكفّل له (٣) الخطاب - بالحاضرين، بل يعمّ المعدومين فضلاً عن الغائبين.

وصل (٤)
[ ثمرة عموم الخطابات الشفاهيّة ]

ربما قيل: إنّه يظهر لعموم الخطابات الشفاهيّة للمعدومين ثمرتان (٥):

الثمرة الأُولى والإشكال عليها

الأُولى: حجّيّة ظهور خطابات الكتاب لهم كالمشافهين.

وفيه: أنّه مبنيٌّ على اختصاص حجّيّة الظواهر بالمقصودين بالإفهام، وقد حُقّق عدم الاختصاص بهم.

__________________

(١) الحج: ١.

(٢) الظاهر: زيادة كلمة « إلّا ». ( منتهى الدراية ٣: ٥٩٩ ).

(٣) المناسب: به.

(٤) أدرجنا ما هو المثبت في الأصل، وفي طبعاته: فصل. قال في منتهى الدراية ٣: ٦٠٠ الأولى: تبديل « الفصل » بعنوان... « تذنيب » أو « تكملة » ؛ إذ هو ثمرة لما قبله ومن توابعه.

(٥) ذكرهما المحقّق القمي في القوانين ١: ٢٣٣، وانظر الفصول: ١٨٤، ومطارح الأنظار ٢: ١٩٤ - ١٩٨.