درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۹۵: قطع ۸

 

الموضوع على نحو الصفتيّة من تلك الأقسام، بل لابدّ من دليلٍ آخر على التنزيل ؛ فإنّ قضيّة الحجّيّة والاعتبار ترتيبُ ما للقطع - بما هو حجّة - من الآثار، لا ما لَه (١) بما هو صفة وموضوع ؛ ضرورة أنّه كذلك يكون كسائر الموضوعات والصفات.

ومنه قد انقدح: عدم قيامها - بذاك الدليل - مقامَ ما أُخذ في الموضوع على نحو الكشف ؛ فإنّ القطع المأخوذ بهذا النحو في الموضوع شرعاً، كسائر ما لها (٢) دخلٌ في الموضوعات أيضاً، فلا يقوم مقامه شيءٌ بمجرّد حجّيّته وقيام (٣) دليل على اعتباره، ما لم يقم دليل على تنزيله ودخله في الموضوع كدخله.

توهّم قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي المأخوذ على نحو الطريقيّة والجواب عنه

وتوهُّمُ (٤): كفاية دليل الاعتبار، الدالّ على إلغاء احتمال خلافه، وجعله بمنزلة القطع من جهة كونه موضوعاً، ومن جهة كونه طريقاً، فيقوم مقامه:

طريقاً كان أو موضوعاً.

فاسدٌ جدّاً ؛ فإنّ الدليل الدالّ على إلغاء الاحتمال، لا يكاد يفي (٥) إلّا بأحد التنزيلين ؛ حيث لابدّ في كلّ تنزيلٍ منهما من لحاظ المنزَّل والمنزَّل عليه، ولحاظهما في أحدهما آليٌّ، وفي الآخر استقلاليٌّ ؛ بداهة أنّ النظر في حجّيّته

__________________

(١) أوردنا العبارة كما جاءت في « ر »، وفي غيرها: لا له.

(٢) في حقائق الأُصول: ما له.

(٣) كذا في الأصل و « ر ». وفي « ن » وسائر الطبعات: أو قيام. يراجع لتوضيح الفرق بين التعبيرين: منتهى الدراية ٤: ٩٠، وكفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ٣: ٧٨.

(٤) المتوهّم هو الشيخ الأعظم الأنصاري، حيث أفاد: أنّ الأمارات والأُصول تقوم مقام القطع الموضوعي المأخوذ على نحو الطريقيّة. انظر فرائد الأُصول ١: ٣٣.

(٥) أثبتنا الكلمة من حقائق الأُصول، وفي غيره: يكفي.

وتنزيله منزلةَ القطع في طريقيّته - في الحقيقة -، إلى الواقع ومؤدّى الطريق، وفي كونه بمنزلته، في دخله في الموضوع إلى أنفسهما، ولا يكاد يمكن الجمع بينهما.

نعم، لو كان في البين ما بمفهومه جامعٌ بينهما، يمكن (١) أن يكون دليلاً على التنزيلين، والمفروض أنّه ليس. فلا يكون دليلاً على التنزيل إلّا بذاك اللحاظ الآليّ، فيكون حجّةً موجبةً لتنجّز متعلّقه، وصحّةِ العقوبة على مخالفته، في صورتَي إصابته وخطئه، بناءً على استحقاق المتجرّي، أو بذلك اللحاظ الآخر الاستقلاليّ، فيكون مثله في دخله في الموضوع، وترتيبٍ ما لَه عليه من الحكم الشرعيّ.

لا يقال: على هذا لا يكون دليلاً على أحد التنزيلين، ما لم يكن هناك قرينةٌ في البين.

فإنّه يقال: لا إشكال في كونه دليلاً على حجّيّته ؛ فإنّ ظهوره في أنّه بحسب اللحاظ الآليّ، ممّا لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه، وإنّما يحتاج تنزيله - بحسب اللحاظ الآخر الاستقلاليّ - من نصْبِ (٢) دلالةٍ عليه. فتأمّل في المقام، فإنّه دقيقٌ، ومزالُّ الأقدام للأعلام.

ولا يخفى: أنّه لولا ذلك، لأمكن أن يقوم الطريقُ بدليل واحد - دالّ على إلغاء احتمال خلافه - مقامَ القطع بتمام أقسامه، ولو في ما أُخذ في الموضوع على نحو الصفتيّة، كان تمامه، أو قيده وبه قوامه (٣).

__________________

(١) الأولى: أمكن.

(٢) الصواب: إلى نصب. ( منتهى الدراية ٤: ٩٧ ).

(٣) تعريض بتفصيل الشيخ الأعظم من قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي الطريقي، وعدم قيامها مقام القطع الصفتي. راجع فرائد الأُصول ١: ٣٤.

فتلخّص ممّا ذكرنا: أنّ الأمارة لا تقوم بدليل اعتبارها (١)، إلّا مقام ما ليس بمأخوذ في الموضوع أصلاً.

عدم قيام الأُصول مقام القطع الطريقي إلّا الاستصحاب

وأمّا الأُصول: فلا معنى لقيامها مقامه بأدلّتها أيضاً، غير الاستصحاب (٢) ؛ لوضوح أنّ المراد من قيام المُقام: ترتيب ما لَه من الآثار والأحكام، من تنجّز التكليف وغيره - كما مرّت إليه الإشارة -، وهي ليست إلّا وظائف مقرّرة للجاهل في مقام العمل، شرعاً أو عقلاً.

لا يقال: إنّ الاحتياط لا بأس بالقول بقيامه مقامه في تنجّز التكليف - لو كان -.

فإنّه يقال: أمّا الاحتياط العقليّ: فليس إلّا نفسَ (٣) حكم العقل بتنجّز التكليف، وصحّةِ العقوبة على مخالفته، لا شيءٌ يقوم (٤) مقامه في هذا الحكم.

وأمّا النقليّ: فإلزام الشارع به وإن كان ممّا يوجب التنجّز، وصحّةَ العقوبة على المخالفة - كالقطع -، إلّا أنّه لا نقول به (٥) في الشبهة البدويّة، ولا يكون بنقليّ في المقرونة بالعلم الإجماليّ، فافهم.

__________________

(١) في « ر » زيادة: فقط.

(٢) لا يبعد أن يكون إشارة إلى ما في إطلاق كلام الشيخ الأعظم ؛ إذ قال: ثمّ من خواصّ القطع الذي هو طريق إلى الواقع قيام الأمارات الشرعية والأُصول العملية مقامه في العمل. انظر فرائد الأُصول ١: ٣٣.

(٣) في مصحّح الأصل و « ق »: « فليس إلّا لأجل ». وفي سائر الطبعات كما أثبتناه.

(٤) حقّ العبارة أن تكون هكذا: لا شيئاً آخر يقوم... ( منتهى الدراية ٤: ١٠١ ).

(٥) في هامش « ش »: لا يقول به ( نسخة بدل ).