درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۹۹: قطع ۱۲

 

الأمر الخامس: [ الموافقة الالتزاميّة ]

هل تنجُّزُ التكليف بالقطع - كما يقتضي موافقته عملاً -، يقتضي موافقته التزاماً، والتسليمَ له اعتقاداً وانقياداً، كما هو اللازم في الأُصول الدينيّة والامور الاعتقاديّة، بحيث كان له امتثالان وطاعتان: إحداهما بحسب القلب والجنان، والاخرى بحسب العمل بالأركان، فيستحقّ العقوبة على عدم الموافقة التزاماً، ولو مع الموافقة عملاً، أو لا يقتضي (١)، فلا يستحقّ العقوبة عليه، بل إنّما يستحقّها على المخالفة العمليّة ؟

ألحقّ: عدم وجوب الموافقة الالتزاميّة

ألحقّ: هو الثاني ؛ لشهادة (٢) الوجدان - الحاكم في باب الإطاعة والعصيان - بذلك، واستقلالِ العقل بعدم استحقاق العبد الممتثل لأمر سيّده، إلّا المثوبة دون العقوبة، ولو لم يكن مسلّماً (٣) وملتزماً به ومعتقداً ومنقاداً له، وإن كان ذلك يوجب (٤) تنقيصه وانحطاطَ درجته لدى سيّده ؛ لعدم اتّصافه بما يليق أن يتّصف العبد به من الاعتقاد بأحكام مولاه والانقياد لها، وهذا غير استحقاق العقوبة على مخالفته لأمره أو نهيه التزاماً مع موافقته عملاً، كما لا يخفى.

عدم الملازمة بين وجوب الموافقة الالتزاميّة ووجوب الموافقة العمليّة

ثمّ لا يذهب عليك: أنّه على تقدير لزوم الموافقة الالتزاميّة، وكان المكلّف متمكّناً منها (٥) يجب (٦)، ولو في ما لا يجب عليه الموافقة القطعيّة عملاً،

__________________

(١) الأولى: « أو لا يقتضيها ». ( منتهى الدراية ٤: ١٣١ ). (٢) في « ر »: بشهادة.

(٢)

(٣) أدرجنا ما في « ق »، « ش »، حقائق الأُصول ومنتهى الدراية. وفي غيرها: متسلّماً.

(٤) في « ش »: لوجب. راجع للتوضيح منتهى الدراية ٤: ١٣٢.

(٥) أثبتنا العبارة كما وردت في الأصل، « ر » وحقائق الأُصول. وفي غيرها: لو كان المكلّف متمكّناً منها لوجب....

(٦) الظاهر: زيادة هذه الجملة ؛ لأنّه مع عدم اعتبار العلم التفصيلي بالحكم الملتزم به في وجوب الموافقة الإلتزامية، وكفاية العلم الإجمالي به، خصوصاً مع ملاحظة قوله في ما بعد: « وإن أبيت »... لا يتصوّر عدم التمكّن من الموافقة الإلتزامية. ( منتهى الدراية ٤: ١٣٤ ).

ولا يحرم المخالفة القطعيّة عليه كذلك أيضاً ؛ لامتناعهما، - كما إذا علم إجمالاً بوجوب شيءٍ أو حرمته - ؛ للتمكّن من الالتزام بما هو الثابت واقعاً، والانقيادِ له والاعتقادِ به بما هو الواقع والثابت، وإن لم يعلم أنّه الوجوب أو الحرمة.

وإن أبيت إلّا عن لزوم الالتزام به بخصوص عنوانه ؛ لَما كانت موافقته القطعيّة الالتزاميّة حينئذٍ ممكنةً، ولما وجب عليه الالتزام بواحدٍ قطعاً ؛ فإنّ محذور الالتزام بضدّ التكليف عقلاً، ليس بأقلّ من محذور عدم الالتزام به بداهةً، مع ضرورة أنّ التكليف - لو قيل باقتضائه للالتزام - لم يكد يقتضي إلّا الالتزام بنفسه عيناً، لا الالتزام به أو بضدّه تخييراً.

الالتزام غير مانع عن جريان الأُصول في أطراف العلم

ومن هنا قد انقدح: أنّه لايكون من قِبَل لزوم الالتزام مانعٌ عن إجراء الأُصول - الحكميّة أو الموضوعيّة - في أطراف العلم، لو كانت جاريةً مع قطع النظر عنه.

كما لا يدفع بها (١) محذورُ عدم الالتزام به (٢)(٣).

__________________

(١) في « ش »: لا يدفع هنا.

(٢) إشارة إلى ما أفاده الشيخ الأعظم من دفع محذور عدم الالتزام بالتكليف، بإجراء الأُصول الموضوعية والحكمية. راجع تفصيل كلامه في فرائد الأُصول ١: ٨٤ - ٨٥.

(٣) في « ش » ومنتهى الدراية زيادة بهذه العبارة: « بل الالتزام بخلافه لو قيل بالمحذور فيه حينئذٍ أيضاً، إلّا على وجهٍ دائر، لأنّ جريانها موقوف على عدم محذور في عدم الالتزام اللازم من جريانها، وهو موقوف على جريانها بحسب الفرض »، وهذه الزيادة حذفت من الأصل و « ن ». ولا توجد في « ق »، « ر » وحقائق الأُصول. يراجع كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ٣: ١٠٨ - ١١١ ونهاية النهاية ٢: ٣٨.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ استقلال العقل بالمحذور فيه إنّما يكون في ما إذا لم يكن هناك ترخيص في الإقدام والاقتحام في الأطراف، ومعه لا محذور فيه، بل ولا في الالتزام بحكم آخر.

إلّا أنّ الشأن حينئذٍ في جواز جريان الأُصول في أطراف العلم الإجماليّ (*) مع عدم ترتّب أثرٍ عمليّ عليها (١)، مع أنّها أحكام عمليّة كسائر الأحكام الفرعيّة.

مضافاً إلى عدم شمول أدلّتها لأطرافه ؛ للزوم التناقض في مدلولها على تقدير شمولها، كما ادّعاه (٢) شيخنا العلّامة (٣) - أعلى الله مقامه -، وإن كان محلّ تأمّل ونظر، فتدّبر جيّداً.

الأمر السادس: [ حجّيّة القطع الطريقي مطلقاً ]

لاتفاوت في نظر العقل أصلاً - في ما يترتّب على القطع من الآثار عقلاً - بين أن يكون حاصلاً بنحوٍ متعارف، ومن سببٍ ينبغي حصوله منه، أو غيرِ

__________________

(*) والتحقيق جريانها ؛ لعدم اعتبار شيء في ذلك، عدا قابليّة المورد للحكم إثباتاً ونفياً، فالأصل الحكمي يثبت به ١) الحكم تارةً - كأصالة الصحة - وينفيه أُخرى - كاستصحاب الحرمة والوجوب في ما دار بينهما - فتأمّل جيداً ( منه قدس‌سره ). ( هذه التعليقة لا توجد في بعض طبعات الكتاب ).

(١) الظاهر: اشتباه عدم لزوم المخالفة العمليّة - المفروض في محلّ البحث - بعدم أثرٍ عملي، وإلّا فالأثر العملي ثابت في ما نحن فيه. ( نهاية النهاية ٢: ٣٨ ).

(٢) في « ر »: ادّعاها.

(٣) راجع فرائد الأُصول ٣: ٤١٠.

__________________

١) في « ق » وحقائق الأُصول: له.

حجّية قطع القطّاع في القطع الطريقي

متعارف لا ينبغي حصوله منه - كما هو الحال غالباً في القطّاع - ؛ ضرورة أنّ العقل يرى تنجّزَ التكليف بالقطع الحاصل ممّا لاينبغي حصوله، وصحّةَ مؤاخذة قاطعه على مخالفته، وعدمَ صحّة الاعتذار عنها بأنّه حصل كذلك، وعدمَ صحّة المؤاخذة مع القطع بخلافه، وعدمَ حُسن الاحتجاج عليه بذلك ولو مع التفاته إلى كيفيّة حصوله.

تبعيّة القطع الموضوعي لدليل الاعتبار

نعم (١)، ربما يتفاوت الحال في القطع المأخوذ في الموضوع شرعاً، والمتَّبع - في عمومه وخصوصه - دلالةُ دليله في كلّ مورد، فربما يدلّ على اختصاصه بقسمٍ في مورد، وعدمِ اختصاصه به في آخر، على اختلاف الأدلّة واختلاف المقامات، بحسب مناسبات الأحكام والموضوعات وغيرها من الأمارات.

عموم حجّية القطع الطريقي

وبالجملة: القطعُ في ما كان موضوعاً عقلاً لا يكادُ يتفاوتُ من حيث القاطع (٢)، ولا من حيث المورد، ولا من حيث السبب، لا عقلاً، وهو واضح، ولا شرعاً ؛ لما عرفت (٣)(٤) من أنّه لا تناله يدُ الجعل نفياً ولا إثباتاً،

الكلام في ما نُسب إلى بعض الأخبارييّن من عدم حجّية القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة

وإن نُسب إلى بعض الأخباريّين: أنّه لا اعتبار بما إذا كان بمقدّمات عقليّة. إلّا أنّ مراجعة كلماتهم لا تساعد على هذه النسبة، بل تشهد بكذبها، وأنّها إنّما تكونُ:

__________________

(١) أشار الشيخ الأعظم إلى هذا الاستدراك. انظر فرائد الأُصول ١: ٣١.

(٢) خلافاً لما حكاه الشيخ الأعظم عن كاشف الغطاء من عدم حجّية قطع من خرج عن العادة في قطعه. انظر فرائد الأُصول ١: ٦٥، وكشف الغطاء ١: ٣٠٨.

(٣) في الأمر الأول من مباحث القطع.

(٤) التعليل واضح، لكنّه مشترك بين الشرع والعقل، فتخصيصه بالشرع بلا موجب ( منتهى الدراية ٤: ١٥٢ ).