درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۰۷: ظن ۵

 

لكنّه لا يوجب الالتزام بعدم كون التكليف الواقعيّ بفعليّ، بمعنى كونه على صفةٍ ونحوٍ لو عَلم به المكلّف لتنجَّزَ عليه، كسائر التكاليف الفعليّة الّتي تتنجّز بسبب القطع بها. وكونُه فعليّاً إنّما يوجب البعث أو الزجر في النفس النبويّة أو الولويّة، في ما إذا لم ينقدح فيها الإذن لأجل مصلحة فيه.

الإشارة إلى الوجه الرابع وما يرد عليه

فانقدح بما ذكرنا: أنّه لا يلزم الالتزام بعدم كون الحكم الواقعيّ في مورد الأُصول والأمارات فعليّاً (١)، كي يشكل:

تارةً: بعدم لزوم الإتيان حينئذٍ بماقامت الأمارة على وجوبه ؛ ضرورة عدم لزوم امتثال الأحكام الإنشائيّة، ما لم تَصِر فعليّةً ولم تبلغ مرتبة البعث والزجر، ولزوم الإتيان به ممّا لا يحتاج إلى مزيد بيان أو إقامة برهان.

لا يقال: لا مجال لهذا الإشكال، لوقيل بأنّها كانت قبل أداء الأمارة إليها إنشائيّةً ؛ لأنّها بذلك تصير فعليّةً تبلغ تلك المرتبة.

فإنّه يقال: لا يكاد يُحرز بسبب قيام الأمارة المعتبرة على حكم إنشائيّ - لا حقيقةً ولا تعبّداً - إلّا حكمٌ إنشائيّ تعبّداً، لا حكمٌ إنشائيّ أدّت إليه الأمارة:

أمّا حقيقةً، فواضح. وأمّا تعبّداً، فلأنّ قصارى ما هو قضيّة حجيّة الأمارة:

كون مؤدّاها (٢) هو الواقع تعبّداً، لا الواقع الّذي أدّت إليه الأمارة، فافهم.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الدليل على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع - الّذي صار مؤدّىً لها -، هو دليل الحجّيّة بدلالة الاقتضاء، لكنّه لا يكاد يتمّ إلّا إذا لم يكن للأحكام بمرتبتها الإنشائيّة أثرٌ أصلاً، وإلّا لم يكن لتلك الدلالة مجالٌ، كما لا يخفى.

__________________

(١) إشارة إلى ما يستفاد من ظاهر كلام الشيخ في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي، بالتزام كون الحكم الواقعي انشائياً غير فعلي. راجع فرائد الأُصول ١: ١١٤.

(٢) أثبتنا المصحّح من « ن »، وفي الأصل وبعض الطبعات: مؤدّاه.

وأُخرى: بأنّه كيف يكون التوفيق بذلك ؟ مع احتمال أحكامٍ فعليّة - بعثيّة أو زجريّة - في موارد الطرق والأُصول العمليّة المتكفّلة لأحكام فعليّة ؛ ضرورة أنّه كما لا يمكن القطع بثبوت المتنافيين، كذلك لا يمكن احتماله.

فلا يصحّ التوفيق بين الحكمين بالتزام كون الحكم الواقعيّ - الّذي يكون في مورد الطرق والأُصول العمليّة - إنشائيّاً (١) غيرَ فعليّ.

الإشارة إلى الوجه الخامس وما يرد عليه

كما لا يصحّ بأنّ الحكمين ليسا في مرتبة واحدة، بل في مرتبتين ؛ ضرورة تأخّر الحكم الظاهريّ عن الواقعيّ بمرتبتين (٢)، وذلك لا يكاد يُجدي ؛ فإنّ الظاهريّ وإن لم يكن في تمام مراتب الواقعيّ، إلّا أنّه يكون في مرتبته أيضاً، وعلى تقدير المنافاة لزم اجتماع المتنافيين في هذه المرتبة.

فتأمّل في ما ذكرنا من التحقيق في التوفيق، فإنّه دقيق وبالتأمّل حقيق.

٣ - الأصل في مشكوك الاعتبار هو عدم حجّيته جزماً

ثالثها: أنّ الأصل في ما لا يُعلم اعتباره بالخصوص شرعاً، ولا يُحرز التعبّد به واقعاً، عدَمُ حجّيّته جزماً، بمعنى عدم ترتّب الآثار المرغوبة من الحجّة عليه قطعاً ؛ فإنّها لا تكاد تترتّب إلّا على ما اتّصف بالحجّيّة فعلاً، ولا يكاد يكون الاتّصاف بها إلّا إذا أُحرز التعبّدُ به وجعلُه طريقاً متّبعاً ؛ ضرورة أنّه بدونه لا يصحّ المؤاخذة على مخالفة التكليف بمجرّد إصابته، ولا يكون عذراً لدى مخالفته مع عدمها، ولا يكون مخالفته تجرّياً، ولا يكون

__________________

(١) أثبتنا العبارة كما وردت في « ر ». وفي غيرها: الذي يكون مورد الطرق إنشائياً.

(٢) هذا هو الجمع المنقول عن السيّد محمد الإصفهاني قدس‌سره. ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ٣: ١٨٣ ). ويظهر أيضاً من كلمات الشيخ الأعظم في أوّل مبحث البراءة وأوّل مباحث التعادل والترجيح. انظر فرائد الأُصول ٢: ١١ و٤: ١١ - ١٢.