درس کفایه الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۰۸: ظن ۶ /ظواهر ۱

 

وأُخرى: بأنّه كيف يكون التوفيق بذلك ؟ مع احتمال أحكامٍ فعليّة - بعثيّة أو زجريّة - في موارد الطرق والأُصول العمليّة المتكفّلة لأحكام فعليّة ؛ ضرورة أنّه كما لا يمكن القطع بثبوت المتنافيين، كذلك لا يمكن احتماله.

فلا يصحّ التوفيق بين الحكمين بالتزام كون الحكم الواقعيّ - الّذي يكون في مورد الطرق والأُصول العمليّة - إنشائيّاً (١) غيرَ فعليّ.

الإشارة إلى الوجه الخامس وما يرد عليه

كما لا يصحّ بأنّ الحكمين ليسا في مرتبة واحدة، بل في مرتبتين ؛ ضرورة تأخّر الحكم الظاهريّ عن الواقعيّ بمرتبتين (٢)، وذلك لا يكاد يُجدي ؛ فإنّ الظاهريّ وإن لم يكن في تمام مراتب الواقعيّ، إلّا أنّه يكون في مرتبته أيضاً، وعلى تقدير المنافاة لزم اجتماع المتنافيين في هذه المرتبة.

فتأمّل في ما ذكرنا من التحقيق في التوفيق، فإنّه دقيق وبالتأمّل حقيق.

٣ - الأصل في مشكوك الاعتبار هو عدم حجّيته جزماً

ثالثها: أنّ الأصل في ما لا يُعلم اعتباره بالخصوص شرعاً، ولا يُحرز التعبّد به واقعاً، عدَمُ حجّيّته جزماً، بمعنى عدم ترتّب الآثار المرغوبة من الحجّة عليه قطعاً ؛ فإنّها لا تكاد تترتّب إلّا على ما اتّصف بالحجّيّة فعلاً، ولا يكاد يكون الاتّصاف بها إلّا إذا أُحرز التعبّدُ به وجعلُه طريقاً متّبعاً ؛ ضرورة أنّه بدونه لا يصحّ المؤاخذة على مخالفة التكليف بمجرّد إصابته، ولا يكون عذراً لدى مخالفته مع عدمها، ولا يكون مخالفته تجرّياً، ولا يكون

__________________

(١) أثبتنا العبارة كما وردت في « ر ». وفي غيرها: الذي يكون مورد الطرق إنشائياً.

(٢) هذا هو الجمع المنقول عن السيّد محمد الإصفهاني قدس‌سره. ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ٣: ١٨٣ ). ويظهر أيضاً من كلمات الشيخ الأعظم في أوّل مبحث البراءة وأوّل مباحث التعادل والترجيح. انظر فرائد الأُصول ٢: ١١ و٤: ١١ - ١٢.

موافقته - بما هي موافقة (١) - انقياداً، وإن كانت بما هي محتملةٌ لموافقة الواقع كذلك، إذا وقعت برجاء إصابته. فمع الشكّ في التعبّد به يُقطع بعدم حجّيّته، وعدم ترتيب شيءٍ من الآثار عليه ؛ للقطع بانتفاء الموضوع معه. ولعمري هذا واضحٌ لا يحتاج (٢) إلى مزيد بيان أو إقامة برهان.

المناقشة في ما أفاده الشيخ الأعظم في المقام

وأمّا صحّة الالتزام (٣) بما أدّى إليه من الأحكام، وصحّةُ نسبته إليه تعالى فليستا (٤) من آثارها ؛ ضرورة أنّ حجّيّة الظنّ عقلاً (٥) - على تقرير الحكومة في حال الانسداد - لا توجب صحّتهما، فلو فرض صحّتهما شرعاً - مع الشكّ في التعبّد به - لما كان يُجدي في الحجّيّة شيئاً، ما لم يترتّب عليه ما ذكر من آثارها، ومعه لما كان يضرّ عدم صحّتهما أصلاً، كما أشرنا إليه آنفاً.

فبيان عدم صحّة الالتزام مع الشكّ في التعبّد، وعدم جواز إسناده إليه تعالى غير مرتبط بالمقام، فلا يكون الاستدلال عليه بمهمّ، كما أتعب به شيخنا العلّامة - أعلى الله مقامه - نفسه الزكيّة بما أطنب من النقض والإبرام، فراجعه (٦) بما علّقناه عليه (٧)، وتأمّل.

__________________

(١) أثبتنا الكلمة كما هي في « ش » ومنتهى الدراية. وفي غيرهما: موافقته.

(٢) الظاهر أنّه تعريض بالشيخ الأعظم، حيث استدلّ على حرمة التعبد بما لم يعلم اعتباره بالأدلّة الأربعة. انظر فرائد الأُصول ١: ١٢٥ - ١٢٦.

(٣) شروع في الردّ على ما أفاده الشيخ الأعظم من أنّ جواز الالتزام والإسناد مترتب على العلم بالحجية، وحرمتهما مترتّبة على الشك في الحجية. راجع فرائد الأُصول ١: ١٣١.

(٤) أثبتنا الكلمة من حقائق الأُصول ومنتهى الدراية، وفي غيرهما: فليسا.

(٥) في عناية الأُصول ٣: ١٠٩ نقلاً عن بعض النسخ: حجّية الظن عملاً.

(٦) تقدّم آنفاً.

(٧) حاشية فرائد الأُصول: ٤١.

وقد انقدح بما ذكرنا: أنّ الصواب - في ما هو المهمّ في الباب -: ما ذكرنا في تقرير الأصل، فتدّبر جيّداً.

إذا عرفت ذلك، فما خرج موضوعاً عن تحت هذا الأصل أو قيل بخروجه، يذكر في ذيل فصول:

فصل
[ حجّيّة الظواهر ]

لا شبهة في لزوم اتّباع ظاهر كلام الشارع في تعيين مراده في الجملة ؛ لاستقرار طريقة العقلاء على اتّباع الظهورات في تعيين المرادات، مع القطع بعدم الردع عنها ؛ لوضوح عدم اختراع طريقة أُخرى في مقام الإفادة لمرامه من كلامه، كما هو واضح.

حجّية الظواهر مطلقاً

والظاهر: أنّ سيرتهم على اتّباعها من غير تقييد بإفادتها للظنّ فعلاً، ولا بعدم الظنّ كذلك على خلافها قطعاً (١) ؛ ضرورة أنّه لا مجال عندهم للاعتذار عن مخالفتها: بعدم إفادتها للظنّ بالوفاق، ولا بوجود الظنّ بالخلاف.

التفصيل بين من قُصد إفهامه وغيره والمناقشة فيه

كما أنّ الظاهر: عدم اختصاص ذلك بمن قُصد إفهامه (٢)، ولذا لا يسمع اعتذار من لا يقصد إفهامه، إذا خالف ما تضمّنه ظاهر كلام المولى، من تكليفٍ يعمّه أو يخصّه، ويصحّ به الاحتجاج لدى المخاصمة واللجاج، كما تشهد به صحّة الشهادة بالإقرار من كلّ مَن سمعه، ولو قصد عدم إفهامه، فضلاً عمّا إذا لم يكن بصدد إفهامه.

__________________

(١) نسب الشيخ الأعظم هذين التفصيلين إلى بعض متأخّري المتأخّرين من المعاصرين ( فرائد الأُصول ١: ١٧٠ )، ونقل في موضع آخر ( المصدر المتقدم: ٥٩١ ) التفصيل الثاني حكايةً عن بعض المعاصرين عن شيخه.

(٢) إشارة إلى تفصيل المحقّق القمّي. انظر قوانين الأُصول ١: ٣٩٨ - ٤٠٣ و٢: ١٠٣.

التفصيل بين ظواهر الكتاب وغيرها والأدلّة على ذلك

ولا فرق في ذلك بين الكتاب المبين، وأحاديث سيّد المرسلين، والأئمّة الطاهرين عليهم‌السلام. وإن ذهب بعض الأصحاب (١) إلى عدم حجّيّة ظاهر الكتاب:

إمّا بدعوى: اختصاص فهم القرآن ومعرفته بأهله ومن خوطب به، كما يشهد به ما ورد في ردع أبي حنيفة (٢) وقتادة (٣) عن الفتوى به.

أو بدعوى: أنّه لأجل إحتوائه على مضامين شامخة، ومطالب غامضة عالية، لا يكاد تصل إليها أيدي أفكار اولي الأنظار غير الراسخين العالمين بتأويله، كيف ؟ ولا يكاد يصل إلى فهم كلمات الأوائل إلّا الأوحديُّ من الأفاضل، فما ظنّك بكلامه تعالى مع اشتماله على علم ما كان وما يكون، وحكم كلّ شيء ؟

أو بدعوى: شمول المتشابه - الممنوع عن اتّباعه - للظاهر، لا أقلّ من احتمال شموله له ؛ لتشابه المتشابه وإجماله.

أو بدعوى: أنّه وإن لم يكن منه ذاتاً، إلّا أنّه صار منه عرضاً ؛ للعلم الإجماليّ بطروّ التخصيص والتقييد والتجوّز في غير واحد من ظواهره، كما هو الظاهر (٤).

__________________

(١) انظر الفوائد المدنية: ١٧٨، وشرح الوافية: ١٣٧ - ١٥٠ ( مخطوط )، والحدائق ١: ٢٧ - ٣٥، والفوائد الطوسية: ١٨٦ - ١٩٥.

(٢) راجع وسائل الشيعة ٢٧: ٤٧ - ٤٨، الباب ٤ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٢٧.

(٣) الكافي ٨: ٣١١ - ٣١٢.

(٤) الصواب: « كما هو ظاهر » ؛ لأنّ التعبير ب « الظاهر » يوهم الترديد، وهو ينافي الجزم بالإجمال العارض على ظهورات الكتاب. راجع منتهى الدراية ٤: ٢٩٤.