درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۲: مقدمه مباحث حجت ۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

المقدّمة

وفيها مباحث :

١. موضوع المقصد الثالث

من التمهيد المتقدّم في بيان المقصود من «مباحث الحجّة» يتبيّن لنا أنّ الموضوع لهذا المقصد ـ الذي يبحث فيه عن لواحق ذلك الموضوع ومحمولاته ـ هو «كلّ شيء يصلح أن يدّعى ثبوت الحكم الشرعيّ به ، ليكون دليلا وحجّة عليه».

فإن استطعنا في هذا المقصد أن نثبت بدليل قطعيّ (١) أنّ هذا الطريق ـ مثلا ـ حجّة أخذنا به ورجعنا إليه لإثبات الأحكام الشرعيّة ، وإلاّ طرحناه وأهملناه ، (٢) وبصريح العبارة نقول :

إنّ الموضوع لهذا المقصد في الحقيقة هو «ذات الدليل» بما هو في نفسه ، لا بما هو دليل.

وأمّا محمولاته ولواحقه ـ التي نفحصها ونبحث عنها لإثباتها له ـ فهي كون ذلك الشيء دليلا وحجّة ، فإمّا أن نثبت ذلك أو ننفيه.

ولا يصحّ أن نجعل موضوعه «الدليل بما هو دليل» ، أو «الحجّة بما هي حجّة» ،

__________________

(١) سيأتي في المبحث السادس بيان أنّه لما ذا يجب أن يكون ثبوت حجّيّة الدليل بالدليل القطعيّ ، ولا يكفي الدليل الظنّيّ؟ ـ منه رحمه‌الله ـ.

(٢) وفي س ونبذناه.

أي بصفة كونه دليلا وحجّة ، كما نسب ذلك إلى المحقّق القمّي رحمه‌الله في قوانينه ؛ إذ جعل موضوع علم الأصول الأدلّة الأربعة بما هي أدلّة (١).

ولو كان الأمر كما ذهب إليه رحمه‌الله ، لوجب أن تخرج مسائل هذا المقصد كلّها عن علم الأصول ؛ لأنّها تكون حينئذ من مبادئه التصوّريّة ، لا من مسائله. وذلك واضح ؛ لأنّ البحث عن حجّيّة الدليل يكون بحثا عن أصل وجود الموضوع وثبوته الذي هو مفاد «كان» التامّة ، لا بحثا عن لواحق الموضوع الذي هو مفاد «كان» الناقصة. والمعروف عند أهل الفنّ أنّ البحث عن وجود الموضوع ـ أيّ موضوع كان ، سواء كان موضوع العلم أو موضوع أحد أبوابه ومسائله ـ معدود من مبادئ العلم التصوّريّة ، لا من مسائله.

ولكن هنا ملاحظة (٢) ينبغي التنبيه عليها في هذا الصدد ، (٣) وهي : أنّ تخصيص موضوع علم الأصول بالأدلّة الأربعة ـ كما فعل الكثير من مؤلّفينا (٤) ـ يستدعي أن يلتزموا بأنّ الموضوع هو الدليل بما هو دليل ، كما فعل صاحب القوانين ؛ وذلك لأنّ هؤلاء لمّا خصّصوا الموضوع بهذه الأربعة فإنّما خصّصوه بها ؛ لأنّها معلومة الحجّيّة عندهم ، فلا بدّ أنّهم لاحظوها موضوعا للعلم بما هي أدلّة ، لا بما هي هي ، وإلاّ لجعلوا الموضوع شاملا لها ولغيرها ممّا هو غير معتبر عندهم ، كالقياس ، والاستحسان ، ونحوهما ، وما كان وجه لتخصيصه بالأدلّة الأربعة.

وحينئذ لا مخرج لهم من الإشكال المتقدّم ، وهو لزوم خروج عمدة مسائل علم الأصول عنه.

وعلى هذا ، فيتّضح أنّ مناقشة صاحب الفصول (٥) لصاحب القوانين ليست في محلّها ؛ لأنّ دعواه هذه لا بدّ من الالتزام بها بعد الالتزام بأنّ الموضوع خصوص الأدلّة الأربعة ، وإن لزم عليه إشكال خروج أهمّ المسائل عنه.

__________________

(١) قوانين الأصول ١ : ٩.

(٢) وفي س : نكتة.

(٣) أي القصد والمقصد.

(٤) منهم : صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ١١ و ١٢.

(٥) المصدر السابق.

ولو كان الموضوع هي الأدلّة بما هي هي ـ كما ذهب إليه صاحب الفصول ـ لما كان معنى لتخصيصه بخصوص الأربعة ، ولوجب تعميمه لكلّ ما يصلح أن يبحث عن دليليّته ، وإن ثبت بعد البحث أنّه ليس بدليل.

والخلاصة أنّه إمّا أن نخصّص الموضوع بالأدلّة الأربعة فيجب أن نلتزم بما التزم به صاحب القوانين ، فتخرج مباحث هذا المقصد الثالث عن علم الأصول ، وإمّا أن نعمّم الموضوع ـ كما هو الصحيح ـ لكلّ ما يصلح أن يدّعى أنّه دليل فلا يختصّ بالأربعة ، وحينئذ يصحّ أن نلتزم بما التزم به صاحب الفصول ، وتدخل مباحث هذا المقصد في مسائل العلم.

فالالتزام بأنّ الموضوع هي [الأدلّة] الأربعة فقط ، ثمّ الالتزام بأنّها بما هي هي ، لا يجتمعان. (١)

وهذا (٢) أحد الشواهد على تعميم موضوع علم الأصول لغير الأدلّة الأربعة ، وهو الذي نريد إثباته هنا. وقد سبقت الإشارة إلى ذلك. (٣)

والنتيجة أنّ الموضوع ـ الذي يبحث عنه في هذا المقصد ـ هو «كلّ شيء يصلح أن يدّعى أنّه دليل وحجّة» ، فيعمّ البحث كلّ ما [يصلح أن] يقال : إنّه حجّة ، فيدخل فيه البحث عن حجّيّة خبر الواحد ، والظواهر ، والشهرة ، والإجماع المنقول ، والقياس ، والاستحسان ، ونحو ذلك ، بالإضافة إلى البحث عن أصل الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، والعقل.

فما ثبت أنّه حجّة من هذه الأمور أخذنا به ، وما لم يثبت طرحناه.

كما يدخل فيه أيضا البحث عن مسألة التعادل والتراجيح ؛ لأنّ البحث فيها ـ في الحقيقة ـ عن تعيين ما هو حجّة ودليل من بين المتعارضين ، فتكون المسألة من مسائل مباحث الحجّة.

__________________

(١) قوله : «لا يجتمعان» خبر للالتزامين.

(٢) أي عدم اجتماع الالتزامين.

(٣) راجع المقصد الأوّل : ٢١.

ونحن جعلناها في الجزء الأوّل خاتمة لعلم الأصول (١) ؛ اتّباعا لمنهج القوم ، ورأينا الآن العدول عن ذلك ؛ رعاية لواقعها ، وللاختصار.

تمرينات (٤٣)

١. ما هو موضوع المقصد الثالث؟

٢. لم لا يصحّ أن يجعل موضوع هذا المقصد الدليل بما هو دليل ، أو الحجّة بما هي حجّة؟

٣. ما الفرق بين مفاد «كان» التامّة ، و «كان» الناقصة؟

٤. ما هو رأي صاحب الفصول في موضوع علم الأصول؟

٥. ما الدليل على تعميم موضوع علم الأصول لغير الأدلّة الأربعة؟

٦. كيف تدخل مسألة التعادل والتراجيح في مباحث الحجّة؟

__________________

(١) راجع المقصد الأوّل : ٢٢.