درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۳: مقدمه مباحث حجت ۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ولو كان الموضوع هي الأدلّة بما هي هي ـ كما ذهب إليه صاحب الفصول ـ لما كان معنى لتخصيصه بخصوص الأربعة ، ولوجب تعميمه لكلّ ما يصلح أن يبحث عن دليليّته ، وإن ثبت بعد البحث أنّه ليس بدليل.

والخلاصة أنّه إمّا أن نخصّص الموضوع بالأدلّة الأربعة فيجب أن نلتزم بما التزم به صاحب القوانين ، فتخرج مباحث هذا المقصد الثالث عن علم الأصول ، وإمّا أن نعمّم الموضوع ـ كما هو الصحيح ـ لكلّ ما يصلح أن يدّعى أنّه دليل فلا يختصّ بالأربعة ، وحينئذ يصحّ أن نلتزم بما التزم به صاحب الفصول ، وتدخل مباحث هذا المقصد في مسائل العلم.

فالالتزام بأنّ الموضوع هي [الأدلّة] الأربعة فقط ، ثمّ الالتزام بأنّها بما هي هي ، لا يجتمعان. (١)

وهذا (٢) أحد الشواهد على تعميم موضوع علم الأصول لغير الأدلّة الأربعة ، وهو الذي نريد إثباته هنا. وقد سبقت الإشارة إلى ذلك. (٣)

والنتيجة أنّ الموضوع ـ الذي يبحث عنه في هذا المقصد ـ هو «كلّ شيء يصلح أن يدّعى أنّه دليل وحجّة» ، فيعمّ البحث كلّ ما [يصلح أن] يقال : إنّه حجّة ، فيدخل فيه البحث عن حجّيّة خبر الواحد ، والظواهر ، والشهرة ، والإجماع المنقول ، والقياس ، والاستحسان ، ونحو ذلك ، بالإضافة إلى البحث عن أصل الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، والعقل.

فما ثبت أنّه حجّة من هذه الأمور أخذنا به ، وما لم يثبت طرحناه.

كما يدخل فيه أيضا البحث عن مسألة التعادل والتراجيح ؛ لأنّ البحث فيها ـ في الحقيقة ـ عن تعيين ما هو حجّة ودليل من بين المتعارضين ، فتكون المسألة من مسائل مباحث الحجّة.

__________________

(١) قوله : «لا يجتمعان» خبر للالتزامين.

(٢) أي عدم اجتماع الالتزامين.

(٣) راجع المقصد الأوّل : ٢١.

ونحن جعلناها في الجزء الأوّل خاتمة لعلم الأصول (١) ؛ اتّباعا لمنهج القوم ، ورأينا الآن العدول عن ذلك ؛ رعاية لواقعها ، وللاختصار.

تمرينات (٤٣)

١. ما هو موضوع المقصد الثالث؟

٢. لم لا يصحّ أن يجعل موضوع هذا المقصد الدليل بما هو دليل ، أو الحجّة بما هي حجّة؟

٣. ما الفرق بين مفاد «كان» التامّة ، و «كان» الناقصة؟

٤. ما هو رأي صاحب الفصول في موضوع علم الأصول؟

٥. ما الدليل على تعميم موضوع علم الأصول لغير الأدلّة الأربعة؟

٦. كيف تدخل مسألة التعادل والتراجيح في مباحث الحجّة؟

__________________

(١) راجع المقصد الأوّل : ٢٢.

٢. معنى الحجّة

١. الحجّة لغة : كلّ شيء يصلح أن يحتجّ به على الغير. (١)

وذلك بأن يكون به الظفر على الغير عند الخصومة معه. والظفر على الغير على نحوين : إمّا بإسكاته وقطع عذره وإبطاله ، وإمّا بأن يلجئه إلى [قبول] عذر صاحب الحجّة ، فتكون الحجّة معذّرة له لدى الغير.

٢. وأمّا الحجّة في الاصطلاح العلميّ فلها معنيان أو اصطلاحان :

أ : ما عند المناطقة. ومعناها : «كلّ ما يتألّف من قضايا تنتج مطلوبا» ، أي مجموع القضايا المترابطة التي يتوصّل بتأليفها وترابطها إلى العلم بالمجهول ، سواء كان في مقام الخصومة مع أحد أم لم يكن. وقد يطلقون الحجّة أيضا على نفس «الحدّ الأوسط» في القياس. (٢)

ب : ما عند الأصوليّين. ومعناها عندهم حسب تتبّع استعمالها : «كلّ شيء يثبت متعلّقه ولا يبلغ درجة القطع» ، أي لا يكون سببا للقطع بمتعلّقه ، وإلاّ فمع القطع يكون القطع هو الحجّة ، ولكن هو حجّة بمعناها اللغويّ. أو قل بتعبير آخر : «الحجّة : كلّ شيء يكشف عن شيء آخر ، ويحكي عنه على وجه يكون مثبتا له».

ونعني بكونه مثبتا له : أنّ إثباته له يكون بحسب الجعل من الشارع لا بحسب ذاته. ويكون معنى «إثباته له» حينئذ أنّه يثبت الحكم الفعليّ في حقّ المكلّف بعنوان أنّه (٣) هو الواقع. وإنّما يصحّ ذلك ويكون مثبتا له بضميمة الدليل على اعتبار ذلك الشيء الكاشف الحاكي ، وعلى أنّه حجّة من قبل الشارع.

وسيأتي إن شاء الله (تعالى) تحقيق معنى الجعل للحجيّة ، و [أنّه] كيف يثبت

__________________

(١) كما قال في مجمع البحرين ١٥٥ : «الحجّة ـ بضمّ الحاء ، ـ : الاسم من الاحتجاج».

(٢) راجع حاشية ملاّ عبد الله : ٣٧. وقال في فوائد الأصول ٣ : ٧ : «الحجّة باصطلاح المنطقي عبارة عن الوسط الذي بينه وبين الأكبر ـ الذي يراد إثباته للأصغر ـ علقة وربط ثبوتي».

(٣) أي ذلك الحكم الفعليّ.

الحكم بالحجّة؟ (١)

وعلى هذا ، فالحجّة بهذا الاصطلاح لا تشمل القطع ـ أي : إنّ القطع لا يسمّى حجّة بهذا المعنى ، بل بالمعنى اللغويّ ؛ لأنّ طريقيّة القطع ـ كما سيأتي (٢) ـ ذاتيّة غير مجعولة من قبل أحد.

وتكون الحجّة بهذا المعنى الأصوليّ مرادفة لكلمة «الأمارة» ، كما أنّ كلمة «الدليل» ، وكلمة «الطريق» تستعملان في هذا المعنى ، فتكونان مرادفتين لكلمة «الأمارة» ، و «الحجّة» ، أو كالمرادفتين.

وعليه ، فلك أن تقول في عنوان هذا المقصد بدل كلمة «مباحث الحجّة» : مباحث الأمارات ، (٣) أو مباحث الأدلّة ، (٤) أو مباحث الطرق. (٥) وكلّها يؤدّي معنى واحدا. (٦)

وممّا ينبغي التنبيه عليه في هذا الصدد أنّ استعمال كلمة «الحجّة» في المعنى الذي تؤدّيه كلمة «الأمارة» مأخوذ من المعنى اللغويّ (٧) من باب تسمية الخاصّ باسم العامّ ؛ نظرا إلى أنّ الأمارة ممّا يصحّ أن يحتجّ المكلّف بها إذا عمل بها وصادفت مخالفة الواقع ، فتكون معذّرة له ، كما أنّها ممّا يصحّ أن يحتجّ بها المولى على المكلّف إذا لم يعمل بها ، ووقع في مخالفة الحكم الواقعيّ ، فيستحقّ العقاب على المخالفة.

__________________

(١) سيأتي في المبحث الثاني عشر.

(٢) يأتي في المبحث السابع.

(٣) كما في كفاية الأصول : ٢٩٥.

(٤) كما في كتاب دروس في علم الأصول ١ : ١٩١ و ٢ : ٤٥.

(٥) كما في فوائد الأصول ٣ : ٨٨.

(٦) وهو الكاشفيّة عن شيء آخر ، والحكاية عنه على وجه يكون مثبتا له.

(٧) وهو الاحتجاج المطلق.