درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۶: مقدمه مباحث حجت ۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

واعتبره حجّة عليها ، وارتضاه أمارة يرجع إليها ، وجوّز لنا الأخذ بذلك السبب المحقّق للظنّ ، فإنّ هذا الظنّ يخرج عن مقتضى تلك القاعدة الأوّليّة ؛ إذ لا يكون خرصا ، وتخمينا ، ولا افتراء.

وخروجه من القاعدة يكون تخصيصا بالنسبة إلى آية النهي عن اتّباع الظنّ ، ويكون تخصّصا بالنسبة إلى آية الافتراء ؛ لأنّه يكون حينئذ من قسم ما أذن الله (تعالى) به ، وما أذن به ليس افتراء.

وفي الحقيقة أنّ الأخذ بالظنّ المعتبر ـ الذي ثبت على سبيل القطع أنّه حجّة ـ لا يكون أخذا بالظنّ بما هو ظنّ ، وإن كان اعتباره عند الشارع من جهة كونه ظنّا ، بل يكون أخذا بالقطع واليقين ، ذلك القطع الذي قام على اعتبار ذلك السبب المحقّق للظنّ ، وسيأتي أنّ القطع حجّة بذاته ، لا يحتاج إلى جعل من أحد. (١)

ومن هنا يظهر الجواب عمّا شنع (٢) به جماعة من الأخباريّين على الأصوليّين من أخذهم ببعض الأمارات الظنّيّة الخاصّة ، كخبر الواحد ونحوه ، إذ شنعوا عليهم بأنّهم أخذوا بالظنّ الذي لا يغني من الحقّ شيئا.

وقد فاتهم أنّ الأصوليّين إذ أخذوا بالظنون الخاصّة لم يأخذوا بها من جهة أنّها ظنون فقط ، بل أخذوا بها من جهة أنّها معلومة الاعتبار على سبيل القطع بحجيّتها ، فكان أخذهم بها في الحقيقة أخذا بالقطع واليقين ، لا بالظنّ والخرص والتخمين ؛ ولأجل هذا سمّيت الأمارات المعتبرة بـ «الطرق العلميّة» ؛ نسبة إلى العلم القائم على اعتبارها وحجّيّتها ؛ لأنّ حجّيّتها ثابتة بالعلم.

إلى هنا يتّضح ما أردنا أن نرمي إليه ، وهو أنّ المناط في إثبات حجّيّة الأمارات ، ومرجع اعتبارها ، وقوامها ما هو؟ إنّه العلم القائم على اعتبارها وحجّيّتها ، فإذا لم يحصل العلم بحجّيّتها واليقين بإذن الشارع بالتعويل عليها والأخذ بها لا يجوز الأخذ بها وإن أفادت ظنّا غالبا ؛ لأنّ الأخذ بها يكون حينئذ خرصا وافتراء على الله (تعالى) ؛ ولأجل

__________________

(١) يأتي في المبحث السابع : ٣٨٠.

(٢) أي استقبح وفضح.

هذا قالوا : يكفي في طرح الأمارة أن يقع الشكّ في اعتبارها ، أو فقل على الأصحّ : يكفي ألاّ يحصل العلم باعتبارها ؛ فإنّ نفس عدم العلم بذلك كاف في حصول العلم بعدم اعتبارها ، أي بعدم جواز التعويل عليها والاستناد إليها. وذلك كالقياس والاستحسان وما إليهما وإن أفادت ظنّا قويّا.

ولا نحتاج في مثل هذه الأمور إلى الدليل على عدم اعتبارها ، وعدم حجّيّتها ، بل بمجرّد عدم حصول القطع بحجّيّة الشيء يحصل القطع بعدم جواز الاستناد إليه في مقام العمل ، وبعدم صحّة التعويل عليه ، فيكون القطع مأخوذا في موضوع حجّيّة الأمارة.

ويتحصّل من ذلك كلّه أنّ أماريّة الأمارة وحجّيّة الحجّة إنّما تحصل وتتحقّق بوصول علمها إلى المكلّف ، وبدون العلم بالحجّيّة لا معنى لفرض كون الشيء أمارة وحجّة ، ولذا قلنا : «إنّ مناط إثبات الحجّيّة وقوامها (١) العلم» ، فهو (٢) مأخوذ في موضوع الحجيّة ؛ فإنّ العلم تنتهي إليه حجّيّة كلّ حجّة.

ولزيادة الإيضاح لهذا الأمر ، ولتمكين النفوس المبتدئة من الاقتناع بهذه الحقيقة البديهيّة نقول من طريق آخر لإثباتها :

أوّلا : إنّ الظنّ بما هو ظنّ ليس حجّة بذاته.

وهذه مقدّمة واضحة قطعيّة ، وإلاّ لو كان الظنّ حجة بذاته ، لما جاز النهي عن اتّباعه والعمل به ، ولو في بعض الموارد على نحو الموجبة الجزئيّة ؛ لأنّ ما هو بذاته حجّة يستحيل النهي عن الأخذ به ، كما سيأتي في حجّيّة القطع (المبحث الآتي) ، ولا شكّ في وقوع النهي عن اتّباع الظنّ في الشريعة الإسلاميّة المطهّرة ، ويكفي في إثبات ذلك قوله (تعالى) : ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ ...﴾ (٣)

ثانيا : إذا لم يكن الظنّ حجّة بذاته فحجّيّته تكون عرضيّة ـ أي إنّها تكون مستفادة من الغير ـ ؛ فننقل الكلام إلى ذلك الغير المستفادة منه حجّيّة الظنّ ؛ فإن كان هو القطع ، فذلك هو

__________________

(١) أي قوام الأمارة.

(٢) أي العلم.

(٣) الأنعام (٦) الآية : ١١٦ ؛ يونس (١٠) الآية : ٦٦.

المطلوب ؛ وإن لم يكن قطعا ، فما هو؟

وليس يمكن فرض شيء آخر غير نفس الظنّ ؛ فإنّه لا ثالث لهما يمكن فرض حجّيّته.

ولكنّ الظنّ الثاني القائم على حجّيّة الظنّ الأوّل أيضا ليس حجّة بذاته ؛ إذ لا فرق بين ظنّ وظنّ من هذه الناحية ؛ فننقل الكلام إلى هذا الظنّ الثاني ، ولا بدّ أن تكون حجّيّته أيضا مستفادة من الغير ، فما هو ذلك الغير؟ فإن كان هو القطع فذلك هو المطلوب ؛ وإن لم يكن قطعا فظنّ ثالث. فننقل الكلام إلى هذا الظنّ الثالث ، فيحتاج إلى ظنّ رابع ، وهكذا إلى غير النهاية ، ولا ينقطع التسلسل إلاّ بالانتهاء إلى ما هو حجّة بذاته ، وليس هو إلاّ العلم.

ثالثا : فانتهى الأمر بالأخير إلى العلم ، فتمّ المطلوب.

وبعبارة أسدّ وأخصر ، نقول :

إنّ الظنّ لمّا كانت حجّيّته ليست ذاتيّة ، فلا تكون إلاّ بالعرض ؛ وكلّ ما بالعرض لا بدّ أن ينتهي إلى ما هو بالذات ، ولا مجاز بلا حقيقة ؛ وما هو حجّة بالذات ليس إلاّ «العلم» ؛ فانتهى الأمر بالأخير إلى «العلم».

وهذا ما أردنا إثباته ، وهو أنّ قوام الأمارة والمناط في إثبات حجّيّتها هو العلم ؛ فإنّه تنتهي إليه حجّيّة كلّ حجّة ؛ لأنّ حجّيّته ذاتيّة.

تمرينات (٤٦)

١. ما هو مقتضى القاعدة الأوّلية في الظنّ؟

٢. ما المناط في إثبات حجيّة الأمارة؟ بيّن المقدّمات الثلاث التي ذكرها المصنّف في المقام.

٣. اذكر ما شنع به الأخباريّون على الأصوليين ، والجواب عنه.