درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۷: مقدمه مباحث حجت ۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

٧. حجّية العلم ذاتيّة

كرّرنا في البحث السابق القول بأنّ «حجّيّة العلم ذاتيّة» ، ووعدنا ببيانها ، وقد حلّ هنا الوفاء بالوعد ؛ فنقول :

قد ظهر ممّا سبق معنى كون الشيء حجّيّته ذاتيّة ؛ (١) فإنّ معناه أنّ حجّيّته منبعثة من نفس طبيعة ذاته ، فليست مستفادة من الغير ، ولا تحتاج إلى جعل من الشارع ، ولا إلى صدور أمر منه باتّباعه ، بل العقل هو الذي يكون حاكما بوجوب اتّباع ذلك الشيء ؛ وما هذا شأنه ليس هو إلاّ العلم.

ولقد أحسن الشيخ العظيم الأنصاريّ قدس‌سره مجلّي (٢) هذه الأبحاث في تعليل وجوب متابعة القطع (٣) ، فإنّه بعد أن ذكر أنّه «لا إشكال في وجوب متابعة القطع والعمل عليه ما دام موجودا» علّل ذلك بقوله : «لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع. وليست طريقيّته قابلة لجعل الشارع إثباتا أو نفيا». (٤)

وهذا الكلام فيه شيء من الغموض (٥) بعد أن اختلفت تعبيرات الأصوليّين من بعده ، فنقول لبيانه :

إنّ هنا شيئين أو تعبيرين :

أحدهما : وجوب متابعة القطع والأخذ به.

ثانيهما : طريقيّة القطع للواقع.

فما المراد من كون القطع حجّة بذاته؟ هل المراد أنّ وجوب متابعته أمر ذاتيّ له ،

__________________

(١) والأولى : معنى كون حجيّة الشيء ذاتيّة.

(٢) المجلّي : موضح هذه الأبحاث.

(٣) ممّا يجب التنبيه عليه أنّ المراد من العلم هنا هو «القطع» ، أي الجزم الذي لا يحتمل الخلاف ، ولا يعتبر فيه أن يكون مطابقا للواقع في نفسه ، وإن كان في نظر القاطع ليس إلاّ مطابقا للواقع ، فالقطع ـ الذي هو حجّة تجب متابعته ـ أعمّ من اليقين والجهل المركّب ، يعني أنّ المبحوث عنه هو العلم من جهة أنّه جزم لا يحتمل الخلاف عند القاطع ـ منه قدس‌سره ـ.

(٤) فرائد الأصول ١ : ٤.

(٥) ولعلّ الوجه في الغموض أنّه لا معنى لوجوب متابعة القطع إلاّ كون القطع بنفسه طريقا إلى الواقع ، كما سيأتي.

كما وقع في تعبيرات بعض الأصوليّين المتأخّرين ، (١) أم أنّ المراد أنّ طريقيّته ذاتيّة؟

وإنّما صحّ أن يسأل هذا السؤال ، فمن أجل قياسه على الظنّ حينما نقول : «إنّه حجّة» ، فإنّ فيه جهتين :

١. جهة طريقيّته للواقع : فحينما نقول : «إنّ حجّيّته مجعولة» ، نقصد أنّ طريقيّته مجعولة ؛ لأنّها ليست ذاتيّة له ؛ لوجود احتمال الخلاف. فالشارع يجعله طريقا إلى الواقع ؛ بإلغاء احتمال الخلاف ، كأنّه لم يكن ، فتتمّ بذلك طريقيّته الناقصة ليكون كالقطع في الإيصال إلى الواقع. وهذا المعنى هو المجعول للشارع.

٢. جهة وجوب متابعته : فحينما نقول : «إنّه حجّة» ، نقصد أنّ الشارع أمر بوجوب متابعة ذلك الظنّ ، والأخذ به ، أمرا مولويّا ؛ فينتزع من هذا الأمر أنّ هذا الظنّ موصل إلى الواقع ، ومنجّز له ؛ فيكون المجعول هذا الوجوب ، ويكون هذا معنى حجّيّة الظنّ.

وإذا كان هذا حال الظنّ فالقطع ينبغي أن يكون له أيضا هاتان الجهتان ، فنلاحظهما حينما نقول ـ مثلا ـ : «إنّ حجّيّته ذاتيّة» إمّا من جهة كونه طريقا بذاته ، وإمّا من جهة وجوب متابعته لذاته.

ولكن في الحقيقة أنّ التعبير بوجوب متابعة القطع لا يخلو عن مسامحة ظاهرة ، منشؤها ضيق العبارة عن المقصود ؛ إذ يقاس على الظنّ. والسرّ في ذلك واضح ؛ لأنّه ليس للقطع متابعة مستقلّة غير الأخذ بالواقع المقطوع به ، فضلا عن أن يكون لهذه المتابعة وجوب مستقلّ غير نفس وجوب الأخذ بالواقع المقطوع به ـ أي وجوب طاعة الواقع المنكشف بالقطع من وجوب ، أو حرمة ، أو نحوهما ـ ؛ إذ ليس وراء انكشاف الواقع شيء ينتظره الإنسان ، فإذا انكشف الواقع له فلا بدّ أن يأخذ به.

وهذه اللابدّيّة لابدّيّة عقليّة (٢) منشؤها أنّ القطع بنفسه طريق إلى الواقع ، وعليه ، فيرجع

__________________

(١) كالمحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٣ : ٦.

(٢) هذه اللابدّيّة العقليّة هي نفس وجوب الطاعة الذي هو وجوب عقليّ ؛ لأنّه داخل في الآراء المحمودة التي تتطابق عليها آراء العقلاء بما هم عقلاء ، كما شرحناه في الجزء الثاني * ـ منه قدس‌سره ـ.

__________________

* راجع المقصد الثاني : ٢٤٤ ـ ٢٤٥.

التعبير بوجوب متابعة القطع إلى معنى كون القطع بنفسه طريقا إلى الواقع ، وأنّ نفسه نفس انكشاف الواقع ، فالجهتان فيه جهة واحدة في الحقيقة.

وهذا هو السرّ في تعليل الشيخ الأعظم الأنصاريّ رحمه‌الله لوجوب متابعته بكونه (١) طريقا بذاته ، ولم يتعرّض في التعليل لنفس الوجوب. ومن أجل هذا ركز البحث كلّه على طريقيّته الذاتيّة.

ويظهر لنا ـ حينئذ ـ أنّه لا معنى لأن يقال في تعليل حجّيّته الذاتيّة : «إنّ وجوب متابعته أمر ذاتيّ له».

وإذا اتّضح ما تقدّم وجب علينا توضيح معنى كون القطع طريقا ذاتيّا ، وهو كلّ البحث عن حجّيّة القطع ، وما وراءه من الكلام فكلّه فضول ، وعليه فنقول :

تقدّم أنّ القطع حقيقته انكشاف الواقع ؛ لأنّه حقيقة نوريّة محضة لا غطش (٢) فيها ، ولا احتمال للخطإ يرافقها ؛ فالعلم نور لذاته [و] نور لغيره ، فذاته نفس الانكشاف (٣) لا أنّه شيء له الانكشاف. (٤)

وقد عرفتم في مباحث الفلسفة أنّ الذات أو الذاتيّ يستحيل جعله بالجعل التأليفيّ ؛ (٥) لأنّ جعل شيء لشيء إنّما يصحّ أن يفرض فيما يمكن فيه التفكيك بين المجعول والمجعول له. وواضح أنّه يستحيل التفكيك بين الشيء وذاته ـ أي بين الشيء ونفسه ـ وكذا بينه وبين ذاتيّاته. وهذا معنى قولهم المشهور : «الذاتيّ لا يعلّل» (٦) وإنّما المعقول من

__________________

(١) أي القطع. واختلفت كلمات المتأخّرين في معنى وجوب متابعة القطع ، فراجع الحاشية على الرسائل «للمحقّق الخراسانيّ» : ٤ ؛ نهاية الدراية ٢ : ٣١ ؛ نهاية الأفكار ٣ : ٧ ؛ فوائد الأصول ٣ : ٦.

(٢) الغطش : الظلمة.

(٣) كما قال به المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٣ : ٦ ـ ٧ ، والمحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ٢ : ٣١ ، والعلاّمة العراقيّ في نهاية الأفكار ٣ : ٦.

(٤) كما يظهر من كلام المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٢٩٧.

(٥) اعلم أنّ الجعل قسمان :

الأوّل : الجعل البسيط وهو مفاد «كان» التامّة ، أي جعل الشيء وإيجاده ، كجعل الإنسان.

الثاني : الجعل التأليفيّ وهو مفاد «كان» الناقصة ، أي جعل الشيء شيئا ، كجعل الإنسان كاتبا.

(٦) كما قال الحكيم السبزواريّ : «ذاتيّ شيء لم يكن معلّلا». شرح المنظومة (قسم المنطق) : ٢٩.