درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۸: مقدمه مباحث حجت ۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

التعبير بوجوب متابعة القطع إلى معنى كون القطع بنفسه طريقا إلى الواقع ، وأنّ نفسه نفس انكشاف الواقع ، فالجهتان فيه جهة واحدة في الحقيقة.

وهذا هو السرّ في تعليل الشيخ الأعظم الأنصاريّ رحمه‌الله لوجوب متابعته بكونه (١) طريقا بذاته ، ولم يتعرّض في التعليل لنفس الوجوب. ومن أجل هذا ركز البحث كلّه على طريقيّته الذاتيّة.

ويظهر لنا ـ حينئذ ـ أنّه لا معنى لأن يقال في تعليل حجّيّته الذاتيّة : «إنّ وجوب متابعته أمر ذاتيّ له».

وإذا اتّضح ما تقدّم وجب علينا توضيح معنى كون القطع طريقا ذاتيّا ، وهو كلّ البحث عن حجّيّة القطع ، وما وراءه من الكلام فكلّه فضول ، وعليه فنقول :

تقدّم أنّ القطع حقيقته انكشاف الواقع ؛ لأنّه حقيقة نوريّة محضة لا غطش (٢) فيها ، ولا احتمال للخطإ يرافقها ؛ فالعلم نور لذاته [و] نور لغيره ، فذاته نفس الانكشاف (٣) لا أنّه شيء له الانكشاف. (٤)

وقد عرفتم في مباحث الفلسفة أنّ الذات أو الذاتيّ يستحيل جعله بالجعل التأليفيّ ؛ (٥) لأنّ جعل شيء لشيء إنّما يصحّ أن يفرض فيما يمكن فيه التفكيك بين المجعول والمجعول له. وواضح أنّه يستحيل التفكيك بين الشيء وذاته ـ أي بين الشيء ونفسه ـ وكذا بينه وبين ذاتيّاته. وهذا معنى قولهم المشهور : «الذاتيّ لا يعلّل» (٦) وإنّما المعقول من

__________________

(١) أي القطع. واختلفت كلمات المتأخّرين في معنى وجوب متابعة القطع ، فراجع الحاشية على الرسائل «للمحقّق الخراسانيّ» : ٤ ؛ نهاية الدراية ٢ : ٣١ ؛ نهاية الأفكار ٣ : ٧ ؛ فوائد الأصول ٣ : ٦.

(٢) الغطش : الظلمة.

(٣) كما قال به المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٣ : ٦ ـ ٧ ، والمحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ٢ : ٣١ ، والعلاّمة العراقيّ في نهاية الأفكار ٣ : ٦.

(٤) كما يظهر من كلام المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٢٩٧.

(٥) اعلم أنّ الجعل قسمان :

الأوّل : الجعل البسيط وهو مفاد «كان» التامّة ، أي جعل الشيء وإيجاده ، كجعل الإنسان.

الثاني : الجعل التأليفيّ وهو مفاد «كان» الناقصة ، أي جعل الشيء شيئا ، كجعل الإنسان كاتبا.

(٦) كما قال الحكيم السبزواريّ : «ذاتيّ شيء لم يكن معلّلا». شرح المنظومة (قسم المنطق) : ٢٩.

جعل القطع هو جعله بالجعل البسيط ، أي خلقه وإيجاده.

وعليه ، فلا معنى لفرض جعل الطريقيّة للقطع جعلا تأليفيّا ، بأيّ نحو فرض للجعل ، سواء كان جعلا تكوينيّا أم جعلا تشريعيّا ؛ فإنّ ذلك مساوق لجعل القطع لنفس القطع ، وجعل الطريق لذات الطريق.

وعلى تقدير التنزّل عن هذا والقول مع من قال : «إنّ القطع شيء له الطريقيّة والكاشفيّة عن الواقع» ـ كما وقع في تعبيرات بعض الأصوليّين المتأخّرين عن الشيخ (١) ـ فعلى الأقلّ تكون الطريقيّة من لوازم ذاته ، التي لا تنفكّ عنه ، كالزوجيّة بالنسبة إلى الأربعة. ولوازم الذات كالذات يستحيل أيضا جعلها بالجعل التأليفيّ على ما هو الحقّ ، وإنّما يكون جعلها بنفس جعل الذات جعلا بسيطا ، لا بجعل آخر وراء جعل الذات. وقد أوضحنا ذلك في مباحث الفلسفة (٢).

وإذا استحال جعل الطريقيّة للقطع استحال نفيها عنه ؛ لأنّه كما يستحيل جعل الذات ولوازمها يستحيل نفي الذات ولوازمها عنها ، وسلبها بالسلب التأليفيّ ؛ بل نحن إنّما نعرف استحالة جعل الذات والذاتيّ ولوازم الذات بالجعل التأليفيّ ؛ لأنّا نعرف أوّلا امتناع انفكاك الذات عن نفسها ، وامتناع انفكاك لوازمها عنها ، كما تقدّم بيانه.

على أنّ نفي الطريقيّة عن القطع يلزم منه التناقض بالنسبة إلى القاطع وفي نظره ، فإنّه ـ مثلا ـ حينما يقطع بأنّ هذا الشيء واجب ، يستحيل عليه أن يقطع ثانيا بأنّ هذا القطع ليس طريقا موصلا إلى الواقع ؛ فإنّ معنى هذا أن يقطع ثانيا بأنّ ما قطع بأنّه واجب ليس بواجب مع فرض بقاء قطعه الأوّل على حاله. وهذا تناقض بحسب نظر القاطع ووجدانه ، يستحيل أن يقع منه ، حتّى لو كان في الواقع على خطأ في قطعه الأوّل ، ولا يصحّ هذا إلاّ إذا تبدّل قطعه وزال ، وهذا شيء آخر غير ما نحن في صدده.

والحاصل أنّ اجتماع القطعين بالنفي والإثبات محال ، كاجتماع النفي والإثبات ، بل يستحيل في حقّه حتّى احتمال أنّ قطعه ليس طريقا إلى الواقع ؛ فإنّ هذا الاحتمال مساوق

__________________

(١) منهم المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٢٩٧.

(٢) راجع الفلسفة الإسلاميّة للمظفّر (الدرس الحادي عشر) : ٣١ ، ٣٢.

لانسلاخ القطع عنده ، وانقلابه إلى الظنّ ، فما فرض أنّه قطع لا يكون قطعا ، وهو خلف محال.

وهذا الكلام لا ينافي أن يحتمل الإنسان ، أو يقطع أنّ بعض علومه على الإجمال ـ غير المعيّن في نوع خاصّ ، ولا في زمن من الأزمنة ـ كان على خطأ ، فإنّه بالنسبة إلى كلّ قطع فعليّ بشخصه لا يتطرّق إليه الاحتمال بخطئه ، وإلاّ لو اتّفق له ذلك لانسلخ عن كونه قطعا جازما.

نعم ، لو احتمل خطأ أحد علوم محصورة ومعيّنة في وقت واحد فإنّه لا بدّ أن ينسلخ كلّها عن كونها اعتقادا جازما ؛ فإنّ بقاء قطعه في جميعها وتطرّق احتمال خطأ واحد منها لا على التعيين ، لا يجتمعان.

والخلاصة أنّ القطع يستحيل جعل الطريقيّة له [جعلا] تكوينيّا وتشريعيّا ، ويستحيل نفيها عنه ، مهما كان السبب الموجب له [ولو كان من خفقان جناح أو مرور هواء]. (١)

وعليه ، فلا يعقل التصرّف فيه بأسبابه ، كما نسب ذلك إلى بعض الأخباريّين من حكمهم بعدم جواز الأخذ بالقطع إذا كان سببه من مقدّمات عقليّة ، (٢) وقد أشرنا إلى ذلك في الجزء الثاني (٣).

وكذلك لا يمكن التصرّف فيه من جهة الأشخاص ، بأن يعتبر قطع شخص ولا يعتبر قطع آخر ، كما قيل بعدم الاعتبار بقطع القطّاع (٤) قياسا على كثير الشكّ الذي حكم شرعا

__________________

(١) ما بين المعقوفين موجود في «س».

(٢) ولعلّ المراد من «بعض الأخباريّين» هو الشيخ الأمين الاسترآبادي في الفوائد المدنيّة : ١٢٨ ـ ١٣١ ، والعلاّمة البحرانيّ في الحدائق الناضرة ١ : ١٢٥ ـ ١٣٣.

ولكن لم أعثر على من نسبه إليهم صريحا. والشيخ الأنصاريّ إنّما نقل النسبة إليهم وقال : «وينسب إلى غير واحد من أصحابنا الأخباريّين ...». بل المحقّق الخراسانيّ أنكر نسبته إليهم ، وقال : «وإن نسب إلى بعض الأخباريّين أنّه لا اعتبار بما إذا كان بمقدّمات عقليّة ، إلاّ أنّ مراجعة كلماتهم لا تساعد على هذه النسبة ، بل تشهد بكذبها ...» راجع كلامهما في فرائد الأصول ١ : ١٥ ، وكفاية الأصول : ٣١١.

(٣) راجع الجزء الثاني : ٢٤٧ ـ ٢٤٨.

(٤) ككاشف الغطاء ، حيث قال : «وكذا من خرج عن العادة في قطعه أو في ظنّه فيلغو اعتبارهما في حقّه». كشف الغطاء : ٦١.